منذ انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في خريف سنة 2008، والولايات المتحدة الأميركية تطالب الصين برفع قيمة عملتها الرنمينبي «اليوان»، حيث تجمد سعره حول 83,6 لكل دولار منذ صيف 2008.

إنه الوضع الذي يسمح للصين بوصفها «مصنع العالم»، بالتصدير على نطاق واسع لمنتوجاتها التنافسية جدًّا، ولكنه يعاقب في الوقت عينه واردات الخيرات الأميركية المتجهة نحو السوق الصينية.

ويرى الشركاء التجاريون الغربيون للصين، أن سعر صرف «اليوان» هو أدنى بكثير من قيمته الفعلية، وهو ما يعزز الصادرات الصينية بخفض أسعارها على نحو مفتعل. وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً: إن «إحدى الصعوبات التي تترتب علينا معالجتها على الصعيد الدولي، تتمثل في سعر صرف العملات».

وفي المقابل قال نائب وزير التجارة الصيني تشونغ شان، الذي يزور واشنطن حالياً وسط أجواء من التوتر السياسي والتجاري بين البلدين، إن تغيير سعر الصرف ليس علاجا للعجز الضخم في الميزان التجاري بين البلدين، وأنه قد يؤدي إلى اضطراب الاقتصاد العالمي.

ولما كانت الولايات المتحدة الأميركية تعاني من عجز تجاري ضخم مع الصين في 2009، بلغ نحو 227 مليار دولار، أي ما يعادل (166 مليار يورو)، فإن واشنطن تتهم بكين باستمرار بأنها تُحَرِّف قواعد المنافسة الدولية، وتُسَرِّع في نقل خطوط الإنتاح الصناعية الأميركية نحو الصين.

وبالتالي التسبب في خسارة كبيرة لفرص العمل الصناعية، ما بين 4,1 إلى 3 ملايين، حسب تقرير النقابات الأميركية (صحيفة لوموند، 2010318).

ومنذ نشوب الأزمة الاقتصادية العالمية التي أدّت إلى تراجع صادراتها، تبرز الصين أهمية الحفاظ على «يوان مستقر»، سواء بالنسبة إلى اقتصادها أم بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، مؤكدة تالياً دورها في إنعاش الاقتصاد العالمي.

لكن المحللين يتوقعون رفع سعر «اليوان» على نحو تدريجي ومضبوط خلال 2010، وعلى رغم تراجعه بنسبة 34% خلال سنة، وصل الفائض التجاري الصيني العام الماضي إلى 196 مليار دولار، الأمر الذي يثير استياء شركاء الصين الذين يحتجون أيضاً على عدم فتح الصين بعض أسواقها للأجانب، مثل أسواق المال والخدمات.

وتريد الولايات المتحدة مجدداً ممارسة الضغوط على الصين من أجل تعويم عملتها الوطنية «اليوان»، التي تعتبر بخسة القيمة بالقياس للدولار، بيد أن اللحظة التاريخية لم تكن مناسبة، فالصين تمول قسماً كبيراً من الديون الأميركية، بما أنها اشترت بما قيمته 800 مليار دولار من السندات الأميركية.

لقد غيرت الأزمة الاقتصادية العالمية المعطيات في العلاقات الأميركية ـ الصينية. فالصين التي تركت عملتها الوطنية «اليوان» تربح ما قيمته 15% أمام الدولار، من سنة 2005 ولغاية 2008.

من خلال توسيع هوامش التقلبات المسموحة في المعدل الثابت الذي يربطها بالدولار، عادت في صيف سنة 2008 إلى نظام أكثر صرامة، في سبيل المحافظة على قدرتها التنافسية.

بيد أن هذه الهدنة بين الدولار واليوان، هي عبارة عن معاهدة تلتزم الولايات المتحدة بموجبها ببذل جهد كبير في سبيل تخفيض عجزها في الميزان التجاري، وتجنب دائني الولايات المتحدة، ولا سيما الصين التي تمتلك القسم الأكبر في العالم من الاحتياطيات الدولارية، التخلي عن الدولار ومنع انهياره في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها الولايات المتحدة.

ورغم أن الصين تقدمت منذ ربيع عام 2009 باقتراحات جادة لاتخاذ عملة للاحتياطي تكون منافسة للدولار، فإنه لا يمكنها مع ذلك أن تطرح عملتها «اليوان» كبديل عن الدولار في الوقت الراهن.

لأن العملة الصينية غير قابلة للتحويل أولاَ، ولأن أكبر احتياطي للصين موجود بالدولار (2400 مليار دولار أو ما يعادل 1800 مليار يورو). والحال هذه، فإن أي تغيير سيتسبب في هزة اقتصادية وسياسية عنيفة، إذا اهتز عرش الدولار ثانياً.

وتشهد العلاقات الصينية ـ الأميركية توترات حقيقية في الفترة الأخيرة، نتيجة سلسلة من الخلافات بين البلدين، آخرها بيع الأسلحة الأميركية إلى تايوان، والحرية على الانترنت، فضلاً عن الانتقادات الأميركية للصين في شأن سعر صرف العملة الصينية «اليوان».

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org