للعام الرابع على التوالي يستمر برنامج شاعر المليون الذي تنظمه هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي، محققاً نجاحاً مذهلا تجاوز كل الهنات التي صاحبت انطلاقته، وجاذباً جماهير غفيرة. فالبرنامج تعدى كونه مجرد مسابقة يتطلع المشاركون فيها لحصد الجوائز الى تظاهرة شعرية ابقت للشعر اعتباره.

فعلى الرغم من كل التغيرات التي اعترت المجتمع العربي ومظاهر المدنية، التي غيبت مظاهر تراثية كانت محل اهتمام العرب وجزءا من حياتهم، إلا انه فرض نفسه بقوة الكلمة ورجاحة المشاركة بعيدا عن أي نعرات قبلية أو أصولية كان الشعر يثيرها، بل ويوججها أحيانا بفعل مشاركات البارعين في نظم الشعر.

والأكثر من ذلك ان شاعر المليون كشف الغطاء عن مواهب شعرية نسائية تغنينا بأشعارها، لكن دون ان نمنح فرصة اللقاء بها نتيجة قيود اجتماعية واعراف وتقاليد حالت دون ذلك.

واعتبرت خروج المرأة في هذا النوع من المسابقات خروجا على العرف والتقليد، مع ان الأمر يقع خلاف تلك الحسابات التي لم يضعها العرب الأوائل حجرة عثرة في طريق كثير من شاعرات العرب اللواتي نافسن الرجال بحكمة العقل وفصاحة الكلمة وبلاغتها.

فالشاعرة مستورة الأحمدي والشاعرة ريمية حصة بنت هلال تمكنتا من الوصول الى المراحل النهائية، لأنهما استطاعا البوح بما يعج في قلوب وعقول الكثير من بنات جنسنهن دون ان تتجاوز أي منهن التقاليد والأعراف التي تربت عليها في مجتمعات محافظة، بل واثبتن ان المرأة قادرة على المنافسة وقادرة على العطاء واحراز قصب السبق بفكر راق ولسان فصيح بليغ كتب له التألق بين أخوة احترموا وجودهن وشجعوا تقدمهن حتى ترشحت إحداهن للمرحلة النهائية.

هذا النوع من المسابقات هو ما تتعطش له المجتمعات العربية وأسرها التي تبحث عن ضآلتها بين الغث والسمين، الذي أصبح مهيمنا على القنوات الفضائية، والذي أصبح يعلن التسابق على اللهو والغناء، الذي لايرتقي بذوق الفرد، بقدر ما يسهم في أغلبه في تراجع ذوقه وانغماس لبنات المجتمعات فيما يهمش العقول ويشي بالأخلاق والآداب.

لا نبالغ فيما نقوله أو مانصفه، لكن واقع البرامج التي أصبحت تتنافس على تقديمها معظم القنوات الفضائية أبرزت نجاح وتفوق برنامج شاعر المليون، الذي أصبح محل اهتمام وسائل الإعلام الأجنبي، التي حاولت الاقتراب من البرنامج والمشاركين فيه لتتعرف على حقائق كانت سببا في اثارة الرأي العام وتنشيط فكره.

وان كنا نشيد اليوم بشاعر المليون، فإن الإشادة تأتي لتؤكد رغبة المشاهدين في خروج برامج بمثل هذا المستوى، التي أعادت للمشاهد اعتباره واحترمت عقله يوم قدمت له نماذج شابة تستحق من يقضي وقته في متابعتها وطرحت مساحة أمل كبيرة في إعلامنا الذي نأمل عليه ان يقدم مايرتقي بتراثنا وثقافتنا ولا يتراجع بهما في برامج معلبة أو مقلدة.

maysarashed@gmail.com