تصور الكثيرون في أعقاب الإهانة التي تعرض لها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، في زيارته الأخيرة لإسرائيل منتصف مارس 2010، أن العلاقات بين الطرفين اهتزت، وأن الخلافات دبت هذه المرة بينهما على نحو جدي.
ولكن سرعان ما خيب أقطاب الادارة الأميركية رجاء أولئك الظانين المتصورين، فأخذوا يعلنون تباعا «قسم الولاء» و«العلاقات التي لا تنفصم مع إسرائيل» و«الالتزام بأمن إسرائيل»..!
فالرئيس الأميركي أوباما، نفى وجود أزمة بين الجانبين، مؤكدا أن «إسرائيل هي الحليف الأقرب للولايات المتحدة»، وأن العلاقة معها «خاصة لن تنقطع»، وأن «ما حصل هو عدم اتفاق بين أصدقاء».
وكذلك كبار المسؤولين الأميركيين حاولوا تخفيف حدة التوتر، بدءا من هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، والمتحدث باسم الخارجية فيليب كراولي، والناطق بلسان البيت الأبيض روبرت غيبس، حيث نقلوا رسائل مفادها أن «الحديث عن خلاف حول نقطة معينة، لا يشكل تهديدا للعلاقات بين البلدين».
بل إن بايدن الذي تعرض للإهانة، ضغط على يد نتنياهو خلال زيارته لمؤسسة «يد فشم» قائلا: «إن إسرائيل محظوظة بك، وأنا سعيد بك كصديق«! وخلال زيارته لقبر هرتسل.
أضاف: «لا حاجة لأن تكون يهودياً لكي تكون صهيونياً»، موضحاً أنه «يرى نفسه صهيونياً»، وكتب في دفتر زوار قبر هرتسل «ان إسرائيل هي القلب والنور لليهود.. لقد جلبت أبنائي إلى إسرائيل، لأريهم كيف يستحيل إطفاء الروح الإنسانية».
وفي الداخل الأميركي هناك، تحرك اللوبي الصهيوني للدفاع عن حكومة إسرائيل، فتراجعت الادارة، وقالت الخارجية الأميركية أن «إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة وستبقى كذلك»، واكدت «الرباط الذي لا ينفصم بينهما».
ثم عادت كلينتون بعد يومين لتعلن في موسكو أن نتنياهو، أعطاها «ردا مفيدا ومثمرا» على مخاوفها بشأن قضية الاستيطان خلال مكالمة هاتفية، أما ما هو هذا الرد؟ فأشار محلل في صحيفة «واشنطون بوست»، إلى أن «نتنياهو وكلينتون اتفقا على سياسة: لا تسأل، ولن أعلن«!
ليجد نتنياهو في ضوء كل ذلك نفسه محصنا، وليستمد قوة دفع جديدة وليتصلب معلناً أن «البناء الاستيطاني في القدس كالبناء في تل أبيب»، بل ليذهب ابعد من ذلك بإعلانه أمام مؤتمر «ايباك».
ردا على خطاب كلينتون: «لقد بنى الشعب اليهودي في القدس على مدى ثلاثة آلاف عام، وسنواصل البناء، فالقدس ليست مستوطنة وإنما هي عاصمة دولة إسرائيل الموحدة».
المحلل البريطاني روبرت كورنويل كتب في صحيفة «ذي اندبندنت» أن «أوباما سيفشل في كبح جماح إسرائيل بسبب القوة الهائلة للوبي اليهودي الأميركي ايباك»، ما يذكرنا بالأدميرال توماس مورير.
مسؤول غرفة العمليات البحرية في الولايات المتحدة (19671970) ورئيس الأركان العامة المشتركة (19701974)، الذي كان وثق طبيعة العلاقة بين الطرفين قائلا: «لا يستطيع أي رئيس أميركي مواجهة إسرائيل».
وما بين ذلك الرباط الاستراتيجي الذي لا ينفصم وفق شبه الاجماع السياسي الأميركي، وبين تطورات المشهد الراهن قبل وخلال وبعد لقاء أوباما ـ نتنياهو، فان الأمور تسير، كما يستنتج البعض، في اتجاه «كسر عظم» بين الطرفين، فهل الأمور تسير فعلا في هذا الاتجاه؟!
وفق ما تمخض عنه اللقاء المعتم (بلا وسائل الإعلام)، فإن الرئيس الأميركي قرر أن يعمل على «إسقاط حكومة نتنياهو»، وعلق المحلل الإسرائيلي ألوف بن في صحيفة «هآرتس» على الزيارة غير الموفقة بكل المقاييس، التي قام بها نتنياهو لواشنطن.
فقال: «هذه الرحلة التي قصد منها أن تكون محاولة لترميم الجسور، ومبادرة لتقوية العلاقات التي اهتزت بين نتنياهو والرئيس الأميركي، كان من نتيجتها فقط إبراز الهوة العميقة بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية... ليغادر رئيس الوزراء أميركا في حالة من الخزي والعزلة بشكل عام، وهو أضعف مما كان عليه عند وصوله إلى واشنطن».
وقال التلفزيون الإسرائيلي إن تطورا غير عادي حدث في موقف الادارة الأميركية، جرى التعبير عنه في أقوال أدلى بها قائد المنطقة المركزية في الجيش الأميركي «ديفيد بترايوس» أمام لجنة الخارجية في الكونغرس الأميركي، التي أكد فيها أن «إسرائيل تحولت من ذخر استراتيجي إلى عبء كبير على واشنطن»، بل إن المحلل بن كاسبيت.
كتب في معاريف عن «كمين في البيت الابيض لنتنياهو»!
فهل نحن إذن، أمام خلاف حقيقي بين الإدارة وحكومة نتنياهو، أم أنها سحابة صيف عابرة؟ وهل نحن أمام وجه أميركي مختلف، وتحول دراماتيكي في الموقف تجاه إسرائيل بقيادة نتنياهو؟
وهل يرتقي الخلاف إلى مستوى استراتيجي في مقاربة قضايا الشرق الأوسط، لتنقلب كلاسيكيات الادارات الأميركية المتعاقبة تجاه إسرائيل.. إلى مستوى تحطيم الأواني مثلا؟!
بعد اللقاء الذي وصف بالفاشل بين اوباما ونتنياهو، استقبل الاخير في الكونغرس الذي أعلنت رئيسته نانسي بيلوسي: «اننا ملتزمون بأمن إسرائيل»، بل إن نحو ثلثي أعضاء الكونغرس وقعوا على «عريضة تأييد ودعم لإسرائيل»... تصوروا؛ في مواجهة أوباما!!
فالجدل الحقيقي إذن داخل أروقة الادارة الأميركية، بين الصقور والحمائم.. وكل هذا الذي نتابعه من تصريحات وخلافات، إنما هو تجليات لما يدور هناك داخل احشاء المؤسسة..
ونستعيد هنا ما كان المؤرخ الفلسطيني الأميركي البروفيسور رشيد الخالدي قد وثقه، حيث استبعد ـ وهو صديق شخصي لأوباما ـ «تحقيق تقدم في اتجاه حل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني في ظل إدارة الرئيس أوباما».
الواضح أن الغائب المغيب في هذا المشهد هم العرب، فالمطلوب من الفلسطينيين والعرب أن يغيروا هم من أولوياتهم، وأن يتحركوا للضغط على الادارة الأميركية، وهم يمتلكون من الأوراق ما يكفي ـ كما يفترض ـ للتأثير عليها.. فهل يفعلون؟!
كاتب فلسطيني