«المصالح والمصائر» هو عنوان كتاب لي صدر حديثاً، والكاتب يسأل أحياناً عن فحوى ما ألفّه. وإذا جاز لي أن أقدم تعريفاً موجزاً عن هذا الكتاب، بنوع من القراءة، على القراءة، بوسعي القول إنه يدور حول صناعة الحياة المشتركة، من خلال فكرتين محوريتين: التشابك والتواطؤ.

والتشابك هو اليوم السمة الأبرز عند من يتأمل في الواقع الكوني الراهن، وما طرأ عليه من التحولات في بنيته وخريطته ونظامه، وذلك على غير مستوى:

أولاً؛ على المستوى العالمي.

فمع تصدع الحواجز الرمزية والمادية بين الدول والمجتمعات، بفعل ثورة الأرقام والاتصالات، وما صاحبها من تنامٍ واتساع لحركة الانتقال ومساحات التواصل والتبادل، تتداخل المصالح والمصائر بين البشر، على نحو لا سابق له.

بحيث بات الكل يتأثر بالكل ويؤثر فيه، على هذا الوجه أو ذاك، بالرغم مما يظهر من الصراعات والصدامات بين القوى الفاعلة على المسرح.

وهذا ما يحصل الآن؛ كل حدث مهم يقع في مكان يترك أثره في مختلف أرجاء الكرة، وكل أزمة تضرب في مجتمع ما تخلّف تداعياتها في سائر المجتمعات؛ تماماً كما أن كل اختراع أو إنجاز يتم في بلد ما، يمكن الإفادة منه واستثماره على وجه السرعة في سائر البلدان والأقطار، كما تشهد الأعمال والنماذج الناجحة في الإصلاح والإنماء.

الأمر الذي يحول العالم، في هذا العصر الرقمي المتسارع، لتدفق المعلومات والصور والرموز، إلى فضاء إعلامي واحد أو إلى سوق مالية واحدة، كما يحوله إلى مسرح واحد أو بيئة واحدة، كما تشهد الأزمات والكوارث المالية والأمنية والبيئة والصحية والمعيشية.

بهذا يتم تجاوز ثنائية المحلي والكوكبي أو الخصوصي والعالمي، ولا يعني ذلك إلغاء الهويات الثقافية، بقدر ما يعني أنه لا انفصال بعد اليوم، بصورة حاسمة أو قاطعة، بين الداخل والخارج، بين الوطني والإقليمي أو العالمي. ولذا فالممكن هو بناء أنظمة للوصل والفصل، تتيح تشكيل علاقات تبادلية مثمرة.

هذا ما نشهده أيضاً على المستوى الداخلي، في المجتمع الواحد وفي الدولة الواحدة، حيث تنكسر الحواجز وتنفتح الحدود بين مختلف المجالات والميادين والشرائح، بقدر ما تتراجع العلاقات المركزية والعمودية لمصلحة العلاقات الأفقية والتداولية؛ الأمر الذي يحول الفضاء الاجتماعي إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة، أو إلى جملة من العلاقات المتحولة.

بذلك ننتقل من مجتمع النخبة إلى مجتمع الشبكة، ونكسر ثنائيات الزعيم والجمهور أو الراعي والقطيع، نحو مفاهيم الوسيط والشريك والمسؤول والفاعل.. هذا المنطق يعمل بين الحقول والقطاعات، بقدر ما يعمل داخل الحقل الواحد أو المجال الواحد.

والحصيلة هي تنامي مساحات التداخل والتقاطع، على نحو تزداد معه إمكانات التداول والتبادل أو التلاقح والتفاعل، إن في الخبرات والمهارات، أو في الأفكار والآراء، أو في الحلول والمعالجات..

من الشواهد، أن الأغنياء يهتمون اليوم بشأن الفقراء، ليس لأسباب أخلاقية أو إنسانية، بل لأنهم، وكما هي حال من يحسن قراءة المُعطى الراهن، يدركون أن مشكلة الفقراء هي مشكلتهم بالذات، إذ هي تنعكس على المجتمع وعلى البشرية قاطبة، إذا لم تجد لها حلولاً معقولة أو مقبولة، الأمر الذي يُعطي للعدالة طابعها العمومي وبُعدها العالمي.

ولعل من الأمثلة البارزة ما يشهده القطاع الأكاديمي، حيث تنفتح الفروع المعرفية بعضها على بعض، على سبيل احتكاك الآراء وتفاعل النظريات أو تكامل المناهج، وصولاً إلى مقاربات أكثر تركيباً ومرونة في مواجهة حراك الواقع وتعقيداته. وإذا كان الواقع يُقرأ اليوم كشبكة، فإن مفهوم الشبكة أصبح يستخدم أيضاً في وصف فعل التفكير نفسه.

بمعنى أن الأفكار الخصبة لا تحيل إلى ماهيات متعالية، بقدر ما هي شبكات من القراءة تحيل إلى علاقات وروابط بين الأشياء. وأخيراً، هذه هي اليوم حال العلاقة بين العلماء المنتجين للمعارف حول الواقع، وبين العاملين في بقية القطاعات.

لا انفصال بعد الآن، بصورة حاسمة بين النظري والعملي، بمعنى أنه ولّى الزمن الذي يخترع فيه الفلاسفة والعلماء نظريات أو نماذج تحتاج فقط إلى من يقوم بتطبيقها.

هذه أوهام تخلق المشكلات بدلاً من حلها. فالممكن هو الانفتاح والتداول والتكامل، عبر تبادل الخبرات، وعلى نحو يؤدي إلى تطوير النظريات وإغناء المعارف، بقدر ما يؤدي إلى اجتراح وسائل فعالة أو تركيب حلول ناجعة في ميادين الممارسة.

كل هذا يشهد على أنه لا انفكاك لفاعل عن سواه في ما ينتجه أو يبدعه، دون أن يفهم من ذلك إلغاء الخصوصيات والفروقات. نحن إزاء نظام للجمع والتفريق، يتيح التوليف الخلاق بين الفردي والجمعي أو بين الخاص والعام، كما يتيح التبادل البناء بين ما هو محلي وكوكبي.

وهكذا فالعالم يزداد تشابكاً وترابطاً. ومن ينفع في مكان، كأنما ينفع الناس جميعاً. وبالعكس، من يحدث ضرراً في مكان، كأنما يضر الناس جميعاً والأرض بأسرها. وهذا ما يقود إلى الفكرة الثانية: التواطؤ، حيث الضرر أو الدمار أو الفساد بات شاملاً.

والذي يحسب أنه يدافع عن مصلحته على حساب مصالح الغير أو ضدهم، إنما يلحق الضرر بنفسه أولاً. هذا ما يحصل اليوم على المسرح العالمي، في هذا الزمن الرقمي والآني.

فمع الانخراط في الواقع الفائق بسرعته البرقية ومنتجاته الأثيرية وشبكاته العنكبوتية، تبلغ الأشياء مآلاتها القصوى لكي ترتد على أصحابها، وتتشابك المصالح والمصائر بقدر ما يتواطأ الضد مع ضده في إحداث الهلاك والخراب المتبادل.

من هنا فإن العلاقة بين المصالح والمصائر هي، بوجهها السلبي، علاقة عكسية أكثر مما هي طردية. بمعنى أننا بتنا نهدّد مصائرنا فيما نحسب أننا نصون مصالحنا.

وهكذا فنحن نعلن الحرب على الإرهاب، لكي يزداد فتكاً وانتشاراً؛ ونرفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان، لكي نزداد عنصرية وبربرية؛ ونشهر سيف الدفاع عن الخصوصية، فيما نحن لا نحسن سوى انتهاك الثوابت والمقدسات؛ وننخرط في السباق المحموم لجمع الثروات، لكي نحصد الأزمات الاجتماعية والانهيارات المالية؛ والأخطر أن الفحش في الإنتاج والاستهلاك، لا مآل له سوى تبديد الموارد وتلويث البيئة.

والحصيلة لذلك كله، هي هذا الداء الذي يفتك بالاجتماع المعاصر كما يتجسم في المنازع العنصرية، والممارسات الوحشية، والكوارث البيئية. من هنا أخذت قضية الحياة المشتركة تحتل الأولوية في المداولات العالمية.

والرهان، إذا لم نشأ حصد المزيد من المساوئ والمخاطر، هو فتح الإمكان لتغيير يمس نمط العيش وقيمه وأساليبه، بحيث ينكسر المنطق الذي يتحكم في وعي الإنسان وسلوكه، من خلال صوَر الألوهة والعظمة والبطولة والعبقرية والنخبة..

فالبشرية تحتاج إلى إعادة التربية والتأهيل والبناء، من حيث علاقاتها بأنفسها وبالأشياء، وفقاً لمعانٍ وقيَم وصورة جديدة، من مفرداتها التُقى والتواضع والاعتراف والتضامن والرعاية..

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb