ها هي القدس تصرخ من جديد، بعدما قررت القوى الصهيونية في إسرائيل، البدء بمشروع هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل، والذي لم تفلح التنقيبات الإسرائيلية العميقة في كشف أي أثر يثبت له وجودا في هذا الموقع. غير أن الأمة العربية، وللأسف الشديد، لا تحرك ساكناً، حتى للدفاع عن المقدسات الدينية، ومن أهمها المسجد الأقصى.
إن السلوك الإسرائيلي، يؤكد أن المشروع الصهيوني لم يعد يهتم للردود الكلامية، سواء من العالم العربي أو الإسلامي. رغم أن التاريخ القديم يؤكد التلاحم العربي والإسلامي، خاصة في ما يتصل بالعقيدة.
إن هذا الاستهتار الصهيوني، بلا شك يكشف عن ضعف الأمة العربية والإسلامية، وتراجع معظم القيادات السياسية عن أداء دورها في المحافظة على قيم ومعتقدات الأمة.
إن إعلان نتنياهو في واشنطن أن القدس هي عاصمة إسرائيل، ومن خلال المؤتمر السنوي للجنة الأميركية الإسرائيلية العامة (إيباك)، يظهر مدى ثقته في دعم «إيباك»، وهي أكبر لوبي يهودي في الولايات المتحدة الأميركية، رغم أن زيارة نتنياهو هذه، جاءت في الوقت الذي شهدت فيه العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية توترا، حسب الظاهر!
ولم تكن تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بأن على إسرائيل أن تتخذ قرارات صعبة، سوى محاولة لجرها نحو العودة إلى المفاوضات. فأين المؤتمر الإسلامي، وأين الجامعة العربية، وأين...؟!
بل أين دور الإعلام العربي، وخاصة المرئي منه، لشن حملة لإنقاذ المؤسسات والأماكن المقدسة في القدس، وخاصة المسجد الأقصى؟
إن التعنت الإسرائيلي، وخاصة في وجود نتنياهو الذي قد يقدم على فعل أي شيء يخدم ادعاءات المتطرفين الصهاينة وأوهامهم الخرافية، يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، وفي العالم.
ولعل هذا ما دفع مجلة نيوزويك الأميركية، إلى التساؤل: هل سيشعل حرباً عالمية ثالثة مع العالم الإسلامي، وبالتالي يؤدي إلى ضرب مصالح الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة في الدول العربية والإسلامية؟ آخذين بعين الاعتبار أن القوى ذات التوجه السياسي الإسلامي تنتظر هذه الفرصة من جديد!
إن التحدي الجديد للرئيس الأميركي، يكمن في مدى قدرته على اتخاذ قرارات أساسية حاسمة، تعيد الهيبة والقوة للولايات المتحدة الأميركية، وتأخذ بعين الاعتبار أن ما توصلت إليه الإدارات الأميركية السابقة من خطط، في ظروف عالمية مغايرة، يحتاج إلى إعادة نظر وإلى تفكير جديد، سواءً كان ساكن البيت الأبيض من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي.
ومن هنا، فإن إصرار الرئيس أوباما على العودة لطاولة المفاوضات، قد يعيد الاعتبار للطرف العربي، وخاصة الفلسطيني، بعد كل التنازلات التي قدمت من التنازلات من أجل الوصول إلى السلام.
وهو ما لا يمكن أن يتحقق بدون إقامة الدولة الفلسطينية، التي كانت حلم ياسر عرفات وغيره من القيادات، سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي أو حتى الإسلامي.
إن الدول العربية ذات الوزن السياسي الكبير، مثل المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، وكذلك السلطة الفلسطينية، أكدت في العديد من الرسائل والمواقف، أن الوصول إلى حل سلمي بين إسرائيل والفلسطينيين.
هو من أوليات اهتمامات الدول العربية، وأن عدم الوصول إلى حل قريب وعاجل، يصب لصالح القوى المعادية للولايات المتحدة الأميركية، ويهدد مصالحها مع الدول العربية وفي المنطقة والعالم الإسلامي بشكل عام.
إن قيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف هو في مصلحة كل الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك إسرائيل التي تحرص على حمايتها، حتى من قرارات الشرعية الدولية وعدم الالتزام بالقانون الدولي!
إن على الإدارة الأميركية أن تدرك أن مصالحها في خطر نتيجة مساندتها للمواقف والسياسات الإسرائيلية، وأن السلام بين كل الأطراف هو وحده الذي سيحمي مصالحها في المنطقة ويخدم السلام العالمي، وسيؤدي إلى بداية النهاية لكافة أشكال التطرف والعنف في المنطقة والعالم.
رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»