تقاس ثقافة المستهلك بمدى وعيه لشراء ما يلزمه من السلع المعروضة، وعدم وقوعه ضحية الإغراءات الكثيرة التي تروجها المحلات والمؤسسات التجارية، وكذلك بمدى حرصه على ترشيد استهلاكه للخدمات المقدمة إليه، بما لا يتجاوز حاجته إلى حد الترف والسرف.

فالعملية الاستهلاكية لا تنحصر في العملية الشرائية وحدها، وإنما في الاستفادة أيضا من الخدمات المتوافرة، بما يحقق الرفاهية والعيش الكريم للفرد.

والمستهلك ليس حصرا على جنس دون جنس، ولا ملة دون أخرى، كما أنه ليس محددا بعمر زمني، ولا بثقافة دون سواها، ولا ببلد دون آخر.

فالاستهلاك هو فعل مشترك بين أطراف متعددة، والمستهلك هو محورها الرئيس والفاعل فيها، ومن تقع عليه المسؤولية في ما يتخذه من قرارات والمؤاخذ على سلوكه، ومن هنا كان لزاما على المستهلك أن يثقف نفسه بحقوقه وواجباته، حتى لا يقع ضحية بين مطرقة الإغراءات وسندان الرغبات.

وأول الحقوق التي ينبغي أن يدركها المستهلك، أنه غير ملزم بشراء ما لا يحتاجه من السلع والبضائع، وأنه صاحب القرار الأول والأخير في كل عملية شرائية، كما أن من حقه أن يستفيد من الخدمات التي تقدم إليه، سواء أكانت مجانية أم بمقابل مادي، دونما سرف أو إتلاف.

ومن حقوقه كذلك الحصول على السلع والخدمات الأساسية التي لا غنى عنها، كما لا بد من تزويده بالمعلومات والبيانات التي تكفل له الاستخدام السليم للسلع ومعرفة جودتها ومحتواها.

وكذلك بنوعية الخدمات المقدمة إليه، وسبل الاستفادة منها، وله حرية التعبير عن رأيه في السلع والخدمات المقدمة إليه، وكذلك حمايته من التلاعب والغش التجاري. فضلا عن تبصيره بحقوقه، وكذلك بواجباته.

أما من واجباته المنوطة به في المقام الأول، فسعيه للحصول على التثقيف الاستهلاكي، الذي من أشكاله التمييز بين ما هو ضروري وما هو زائد عن الحاجة. فعلى سبيل المثال؛ لا يعمد إلى اتخاذ التسوق هواية وذريعة لقتل وقت الفراغ واستنفاد ما لديه من مال.

وذلك على حساب نفسه وأسرته، فإنك ترى البعض أحيانا يتسوق بطريقة عشوائية، فيمخر بعربته الأقسام المتنوعة في المتجر، فتتناول يداه كل ما تقع عليه عيناه فيلقمها عربته حتى تصاب بالغصة فيسعفها بعربة أخرى، ولربما ضم إليهما أختا ثالثة، والأمر مرشح عند البعض للزيادة!

و إذا ما فتشت في جيبه فلن تجده يحمل ورقة كتب فيها ما يحتاجه من أساسيات، وإنما اعتمد على ذاكرته؛ التي غالبا ما تخون صاحبها وسط الإغراءات التي تقدمها المحلات التجارية.

ولربما عاد بعد هذه الرحلة الطويلة والمضنية إلى منزله، ليكتشف أنه لم يظفر بكل ما يحتاجه البيت من سلع أساسية، فيكون هذا مدعاة إلى رحلة ثانية إلى المتجر يستهلها بما استهل به صولته الأولى، هذا إن كان قد بقي في محفظته ما يكفي لصولة ثانية.

ومن الأشكال الأخرى للتثقيف الاستهلاكي، أن يدرك المستهلك أن ما لا حاجة إليه هو أمر زائد عن حاجته، فالأولى الاستغناء عنه، فلا مبرر لاستنزاف كمية من الماء في يوم واحد بينما هي تكفي لأيام عدة، فالاقتصاد هنا واجب شرعي وضرورة ملحة، مهما كانت دوافع الاستعمال.

فقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال له: (ما هذا السرف يا سعد؟) فقال: وهل في الوضوء سرف يا رسول الله؟ قال: (نعم، ولو كنت على نهر جارٍ). فما بالنا ونحن نشارك الآخرين قطرة الماء، والكهرباء وجميع الخدمات التي توفرها لنا الدولة!

إن أشكال التثقيف الاستهلاكي كثيرة ومتنوعة، ولا تتطلب معرفتها سوى قليل من الجهد، ولا بأس من الاستعانة بأهل التخصص والخبرة في هذا الشأن؛ طالما كانت الغاية من ذلك تحقيق التوازن في أمور حياتنا وأنماطها المختلفة، بما يجلب المصلحة للجميع.

وقد دأبت الدولة على تثقيف المستهلك وحمايته؛ فأنشأت جمعية حقوق المستهلك، وسنت القوانين والأنظمة التي تحمي المستهلك من مغبة الوقوع في براثن الاستغلال والغرر، وتوجيهه نحو الاستخدام الأمثل للخدمات والتسهيلات المقدمة إليه، سعيا منها إلى إحاطة المجتمع بدرع حصينة تكفل له حياة كريمة آمنة.

وهيأت جميع الظروف لإيجاد المستهلك المثقف، القادر على إدارة شؤونه وفق رؤية واضحة وأهداف مدروسة.

كاتب إماراتي

saifmahrouqi@yahoo.com