«الله أو الدمار».. أين قرأتم هذه العبارة أو الشعار؟ لربما يكون التذكر صعباً، والذاكرة متاهة والعبارة لم تتردد كثيراً لكي ترسخ في الذاكرة.
كان شعاراً مكتوباً على ورق مقوى رفعته يد من وراء قضبان محكمة مصرية كانت تحاكم قتلة الرئيس المصري السابق أنور السادات. واحد من رفاق خالد الاسلامبولي كان يرفع هذا الشعار.
وإذا كان الله بالنسبة لي (ولملايين آخرين دون ريب) بمنطق العقل اكبر وأوسع وأعظم من أن يحصره إنسان (مهما بلغ إيمانه وتقواه) بمعادلة ثنائية مثل تلك، فإن ذلك كان جرساً سيقرع لكل السنوات التي ستلي تباعاً ولربما حتى اليوم. تذكروا السنوات التي نحن بصددها، السنوات التي اغتيل فيها السادات والتي رفعت فيه تلك الكلمات: الثمانينات من القرن الماضي.
فإذا كان ذلك العقد يمثل ذروة من ذروات ما اصطلح على تسميته «الصحوة الإسلامية»، فان تلك الثنائية، لن تكون سوى بداية لحياة محكومة بمنطق الثنائيات المدمر الذي سيظل يحكمنا حتى اليوم. ولسوف تمر السنوات والعقود تباعاً وسيشهد منطق الثنائيات صعوداً ورسوخاً لا يشي إلا بانحدار مريع سنجد أنفسنا معه دوماً محكومين بخيار بين اثنين لاحظ فيهما لمختار.
هكذا، سوف يتعين علينا في العام 1990 أن نختار ما بين جورج بوش الأب أو صدام حسين. وسيتكرر هذا عام 2003 حيث كان يتعين علينا أن نختار بين صدام حسين أو بوش الابن وما من خيار ثالث. وبين ذلك الزمن الممتد سيكون علينا دوماً أن نختار بين نخب حاكمة تهيمن على الثروات والقرار بل حتى تفكير الناس وبين الإسلاميين.
نخب من العسكر والمدنيين لا فرق. وإذا كان الإسلاميون يوالون القدح في سجل النخب الحاكمة المخفق، فان تلك النخب توالي تحذيرنا من استبداد قادم على يد الإسلاميين. هكذا حكمتنا تلك الثنائية: أن نختار بين استبداد قائم واستبداد قادم. ليس علينا سوى أن نختار أهون الشرور، فأصبح نقاشنا محكوماً على الدوام بمنطق أهون الشرين.
أما الإصلاح الذي تنشده طلائع العرب ومفكريهم منذ أواخر القرن التاسع عشر، فسوف يتحول إلى ثنائية أخرى مختزلة: إما الإصلاح الآتي من أميركا وإما ما قسمه الله لنا في ظل النخب الحاكمة.
ما من خيار ثالث أو رابع أبداً، فنحن مازلنا محكومين بالثنائيات ومنطقها التبسيطي المريح للذهن. ان منطق الثنائيات مريح للذهن، لكنه منطق مأزوم يدل على انقسام عميق ونزعة احترابية.
لسوف نجد أنفسنا محكومين بثنائية شديدة الإهانة للذكاء: إما مع المقاومة وإما مع إسرائيل والولايات المتحدة. فالتمسك بالجوهر الأخلاقي للنضال الوطني أو الاجتماعي، لا يجدي معه التحذير بأن استهداف المدنيين مثلاً أمر يضر بجوهر التفوق الأخلاقي للنضال ضد المحتل أياً كان هذا المحتل.
فالجواب سهل ومريح للذهن: كلهم أعداء وكلهم يستحقون الموت. وننسى أن جوهر الصراع بين المحتل والشعب الخاضع للاحتلال هو صراع تفوق أخلاقي بالدرجة الأولى؟
وسنجد أنفسنا محكومين بثنائية أخرى مهينة للعقل والذكاء: إما مفاوضات وإما مقاومة. وكأن العقل قد اختزل والتجارب البشرية عدم مطلق. فأي عقل هذا الذي لا يرى في تجارب البشرية كلها أن كلا الخيارين يمكن أن يسيرا في انسجام معاً؟ وأي عقل هذا الذي لا يرى في المقاومة إلا سلاحاً فحسب دون الثقافة والفكر والتراث والإبداع الفني والعلم..؟
ولسوف تستمر الثنائيات في التشظي والتنوع وصولاً إلى أخطرها: إما شيعي وإما سني. ها قد وصلنا إلى التفسير الوحيد لمعنى الاحتراب. فبين طرفي تلك الثنائية، سيضيع أي معنى للإيمان أو الإخاء أو المحبة، بل أخطر من هذا سيضيع ما يجمعنا: المواطنة. فنحن لسنا مواطنين، بل شيعة وسنة وما يجمعنا ليس له صلة بمحبة وإخاء فتلك مفردات لا توجد في قاموس الثنائيات ومنطقها السهل المريح للذهن.. ما أسهل الانحياز.
أما التباشير والعلامات الظاهرة لهذه الثنائية ستجدونها في ساحات شاخصة لا تقدم لنا سوى التجربة الشاخصة بمرارة حول معنى «الاحتراب».
كاتب وصحافي بحريني