ترى ماذا لو قدر عمل دراسة لمعرفة رأي الشارع الإماراتي، في ما يحدث في الإمارات من قضايا إماراتية بحتة، كالتوطين وبطالة المواطنين وإحلال الأجنبي مكان المواطن، والكثير من القضايا التي تثير الشجون في دولتنا التي نريد لها أن تصبح أفضل مكان للعيش الآن، وليس بحلول العام 2021؟
ماذا يجول في صدر المواطن وعقله، وهو يرى مناصب قيادية وتربوية ورفيعة يتولاها أجنبي تحت مسميات عدة، بينما يتحول المواطن في تلك الدوائر والمؤسسات إلى إنسان محبط ومهمش ولا كلمة له، بعد مرور أربعين سنة على قيام الدولة وبدء عملية البناء والتخطيط لمستقبل أفضل للمواطن والوطن؟
بعد ذلك كله، ما هي القيم المجتمعية التي ينقلها هذا المواطن لمن حوله، سواء كانوا أولاده أو طلابه، ولجيل الغد عموماً وهم يشهدون معه هذا التحول الذي يحدث كل يوم؟ وهل يشعر الجيل الجديد بمدى التناقض المجتمعي الذي يحدث أمامه؟
في الوثيقة الوطنية التي أقرت في فبراير 2010، جاء أن أهم هدف لسياسات الدولة هو خلق الإماراتي الواثق المسؤول، وبناء أسرة متماسكة ومجتمع يتمتع بصلات اجتماعية قوية، وهي كلها أهداف جميلة وسامية يمكنها أن ترتقي بأي مجتمع إلى القمة، وتجعله مجتمعا صحيا قادرا على تحدي العقبات ومواجهة التحديات المصيرية والتواصل في ما بينه.
ولا يخفى على أحد أن بناء مجتمع صحي، يبدأ من بناء إنسان سوي وأسرة متماسكة سوية، لأنهما السبيل الوحيد لبناء مجتمع متماسك وقوي. ولم يحدث في التاريخ أن نهض مجتمع وتطور إلا من خلال الاهتمام ببناء الإنسان الواثق المسؤول، لأنه السبيل الوحيد لتحقيق ذلك الهدف. إذاً، كيف يمكن البدء بتلك العملية؟
لو قدر لدراسة ما أن تجس نبض المواطن في هذه الفترة بالتحديد، لربما قادتنا نتائج تلك الدراسة لتلمس أقصر الطرق للوصول إلى غايتنا تلك، وربما معرفة الكثير من الحلول لقضايانا المحلية المصيرية الأخرى.
فحسب أحد الخبراء الأجانب، ليس هنالك أفضل من الرصد المحلي والخبير المحلي لمعرفة احتياجات المنطقة، من تعليم وصحة وإسكان وتطوير للبنى التحتية، وغيرها من القضايا المحلية التي لا تحتاج إلى خبير أجنبي، ولا إلى هدر ملايين الدراهم على دراسات وجلب خبراء من الخارج، فقط لكي نصل إلى نتائج معروفة مسبقاً، نتائج توصل إليها الخبير المحلي قبل أربعين عاماً. فخلق المواطن الواثق والمسؤول، بالتأكيد ليس من مهام الخبير الأجنبي، وكذلك تعزيز أمن وسلامة ومكانة الإمارات محلياً ودولياً. فما هي إذاً، السبل لخلق المواطن الواثق المسؤول؟
إن تعزيز ثقة المواطن في نفسه أولاً، وفي مؤسساته الوطنية ثانياً، هو السبيل الأول والرئيس لخلق مواطن مسؤول. فبدون تلك الثقة النابعة من دواخل المواطن، بقدرته على التواصل مع مجتمعه ومع قضايا ذلك المجتمع، وبدون ثقته وإحساسه بقدرة المؤسسات الرسمية لذلك المجتمع على تلمس الحاجات الوطنية، لا يمكن تعزيز ثقة المواطن وبالتالي خلق إنسان مسؤول.
فمتى ما انقطعت تلك الصلة بين المواطن والدولة أو تأثرت، وخيمت حالة من الضبابية على تلك العلاقة، فذلك يعني أن التواصل بين الطرفين، والذي هو أساس لعلاقة صحية بين الدولة والمواطن، قد تأثر.
ومتى ما تأثرت تلك العلاقة بالتحديد، فذلك يعني قطعيا تأثر كل العلاقات الأخرى التي تربط المواطن بالدولة وتؤثر على وظائفه المجتمعية الأخرى، ويظهر خلل ما يصاحب عملية التنمية والبناء المجتمعي. فيصبح المواطن عبئاً على الدولة، عوضاً عن أن يكون مساهماً فاعلاً في عملية التنمية، وتكون المساهمة في القضايا المجتمعية في أسفل أولويات المواطن.
إذاً، فقد أدركت كل الخطط الرسمية أن التنمية الصحيحة تتركز في الإنسان أساساً، وفي قدرتها على تأسيس علاقة صحيحة بين المواطن والدولة، وفي الاهتمام بالمواطن ليصبح هو أساس وجوهر كل عملية تنموية. وهكذا تصبح كل خطط الدولة في خدمة المواطن، ويصبح المواطن مساهماً فاعلاً ومسؤولاً في تنمية مجتمعه والارتقاء به.
إن الإحساس بأن المسؤولية مشتركة، هو الذي يعزز ثقة المواطن في المؤسسات العامة، ويؤثر بالتالي على المسؤوليات المجتمعية الأخرى للفرد، والتي تأتي على رأسها التنشئة الاجتماعية لجيل جديد يحمل على عاتقه إكمال مسيرة البناء.
إن الثقة التي يشعر بها الفرد تجاه مؤسساته، تعزز ثقته في نفسه وفي قدراته، وبالتالي يستطيع الفرد الواثق المسؤول أن ينقل تلك الثقة إلى من حوله. فإذا ما كان رب أسرة فإلى أفراد أسرته، والمعلم إلى طلابه، ورب العمل إلى من يعمل معه، والطبيب إلى مرضاه، وهكذا تمكن إشاعة جو من روح الثقة والمسؤولية في المجتمع ككل، فيصبح كل فرد واعياً ومسؤولاً، ليس فقط لحقوقه ولكن أيضاً لواجباته. فإشراك الفرد في التخطيط سوف يعود عليه وعلى المجتمع بالنفع، أما تهميشه وإقصاؤه فستكون لهما آثار سلبية وضارة أيضاً على الطرفين.
إن الدعوة لخلق مواطن واع ومسؤول وواثق، هي في واقعها جوهر كل عمليات التنمية والبناء المجتمعي في دولتنا. فحتى لا ندع مجالاً للتشكيك في قدرة المواطن على تحمل تبعات البناء والتنمية الضخمة.
وهو تشكيك يؤدي إلى إقصائه أحياناً وتهميشه أحياناً أخرى، وحتى لا ندع مجالاً للتشكيك في قدرة مؤسساتنا على الالتزام بما قطعته على نفسها من وعود للمواطن في مجالات التوطين والإحلال والتعيين، وهو أيضا تشكيك يؤدي إلى الانصراف عن المشاركة العامة، يجب البدء في عملية ترميم لجسر الثقة والتواصل بين المؤسسات العامة والمواطن، حتى نبدأ فوراً في عملية خلق المواطن المسؤول والواثق.
إن السير على خطى الآباء المؤسسين، لن يتأتى قطعاً إلا بإشراك المواطن فعليا في عملية البناء، التي قادها جيل مؤسس حمل على عاتقه أمانة ضخمة وأوصلها إلى ما هي عليه اليوم.
ولن يتأتى لجيل اليوم حمل هذه الأمانة وإيصالها لجيل الغد، إلا بإعطائه فرصة حقيقية للمساهمة الفعالة في بناء مجتمعه، وإشراكه فعلياً، وليس اسمياً، في عملية التنمية. بهذه الروح يمكن للجميع أن يحمل أمانة التنمية والبناء، ويسهم في خلق الهوية التي نتمناها لدولتنا.
جامعة الإمارات
