رغم كل المخاطر التي تهدد الوطن العربي، فلا أظن أن أحداً ينتظر من قمة «سرت» قرارات حاسمة في قضايا خطيرة مثل مستقبل السودان، والتحديات التي يواجهها العراق، والوضع الخطير في اليمن، والتهديدات التي يواجهها أمن الخليج.. سيعاد إنتاج القرارات السابقة بنفس عباراتها أو بعبارات جديدة.
وسيجري التأكيد على ما سبق التأكيد عليه مرات ومرات ( دون جدوى حقيقية) حول التضامن العربي وإتمام المصالحات العربية وإنهاء الانقسام الفلسطيني والتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً وتكتيكياً ووحيداً.. لأننا لا نملك شيئاً آخر نتمسك به، بل علينا فقط أن نتابع القمة (وكل قمة) ونحن ندعو بكل صدق: ربنا يستر!!
ولا نريد بالطبع أن نستبق الأمور، فلا أحد يعرف كيف ستسير القمة، ولا أحد يستبعد المفاجآت خاصة حين تعقد القمة في الشقيقة ليبيا، وحين يغيب العديد من القادة البارزين عنها، وحين تفرض قضية فلسطين والقدس نفسها في ظل تطورات بالغة الخطورة.
وبعد أن كان الظن أن قرار وزراء الخارجية العرب (من خلال لجنة المتابعة) الذي منح الرئيس الفلسطيني أبو مازن الدعم لمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل لأربعة شهور، وسوف يرفع العبء الفلسطيني عن القمة.
ولكن ما حدث بعد ذلك أعاد القضية إلى الصدارة.. فقد انطلق نتانياهو يضر في كل اتجاه لنسف أي فرصة أمام تحرك الإدارة الأميركية، وليقول للفلسطينيين والعرب أنه لا مجال لتفاوض جاد، بل عليهم الاستسلام الكامل لمخططات إسرائيل.
وقد ذهب نتانياهو إلى واشنطن بعد ذلك، وكشفت محادثاته مع الرئيس الأميركي ومساعديه عن عمق الأزمة بين الجانبين في ظل رفض نتانياهو كل الضغوط الأميركية لإيقاف الاستيطان في القدس والضفة، وفي ظل التغير المهم في موقف الإدارة الأميركية.
والذي وضح في خطاب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أمام التجمع الصهيوني الخطير «إيباك» والذي كشفت فيه عن أنه رغم ثبات الموقف الأميركي الداعم لإسرائيل وأمنها، فإن التطابق مصالح الدولتين ليس حتمياً.
وأن على حكومة إسرائيل أن تراعي مصالح أميركا في المنطقة، وهي أمر يعني الكثير في ضوء تصريح رئيس الأركان الأميركي الجنرال باتريوس الذي حمل إسرائيل مسؤولية إساءة العلاقة بين أميركا وبين الشعوب العربية والإسلامية وآثار ذلك على حروبها التي تخوضها في المنطقة وتزايد ضحاياها فيها.
وحتى الآن، فإن العرب مازالوا يكتفون بمراقبة الصراع الذي يدور على الساحة الأميركية بين إدارة أوباما وبين إسرائيل وأنصارها والكونغرس المؤيد تماماً لها.
كما يكتفون بمراقبة التداعيات الخطيرة لقضية كشف دبي لأسرار مقتل القيادي الفلسطيني المدبوح وما أدت إليه من تداعيات في العلاقات بين إسرائيل والدول التي تم استخدام جوازات سفر مواطنيها في الجريمة، بالإضافة إلى تصاعد الإدانة والمقاطعة لإسرائيل ومؤسساتها في أوروبا، ومطاردة زعمائها كمجرمي حرب.
لقد قلنا في الأسبوع الماضي ان إدارة أوباما سوف تبتلع الإهانة ولكنها لن ترضى بالهزيمة أمام نتانياهو، وهذا ما حدث.. استقبلوه في البيت الأبيض ووضعوا أمامه المطالب الأميركية التي يبدو أنه لم يقبلها، لكنه تلقى الرسالة الأهم (هو واللوبي الصهيوني) بان المصالح بين الحليفين غير متطابقة.
وأن عليه أن يراعي المصالح الأميركية وإلا فإنه يتحمل المسؤولية ليس فقط عن فشل السياسة الأميركية في المنطقة وإنما عن دماء جنود أميركيين سيكونون ضحايا للعداء لهم بسبب السياسات الإسرائيلية!!
وبصرف النظر عما تتخذه القمة العربية أو لا تتخذه من قرارات بهذا الشأن، فإن المطلوب خطة للتحرك في الشهور القادمة تنطلق من إدراك عبث أي عملية تفاوض في ظل الاستيطان، واستحالة أي تقدم في العملية السياسية في ظل حكومة نتانياهو .
وبالتالي العمل على تشديد الحصار على إسرائيل وتعميق الفجوة بين الإدارة الأميركية وحكومة نتانياهو التي تراهن على قدرة اللوبي الصهيوني بإلحاق الهزيمة بحزبه في انتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل.
وبصرف النظر أيضاً عما قد تتخذه القمة أو لا تتخذه من قرارات حول تجميد العلاقات مع إسرائيل ورفض أي خطوات جديدة للتطبيع (وهي قرارات يتم اختراقها في معظم الأحوال!!) فإن المهم أن تكون هناك وقفة من السلطة الفلسطينية في قضية حدود الدولة المقترحة.
فإذا كانت السلطة الفلسطينية قد قبلت مبدأ الدولة على حدود 67 مع «تعديلات طفيفة» فقد كان هذا مرهوناً بوقف الاستيطان، أما وأن هذا لم يحدث فقد آن الأوان لإعلان التمسك بحدود 67 دون أي تعديل، وهو أيضاً ما ينبغي التمسك به من سوريا، وما ينبغي أن تعلنه مصر والأردن بالتأكيد على أن اتفاقات السلام التي تم توقيعها كانت مع «إسرائيل داخل حدود 67» وأن على إسرائيل أن تلتزم بذلك إذا كانت حريصة على استمرار الاتفاقات!!
ثم يبقى الأهم.. أن نستعد للأسوأ من نتانياهو وحكومته لو رأى الحرب وحدها هي طريقه للإفلات من الحصار.. ولا أظن أن مثل هذه الأمور التافهة (!!) لها مكان في هذه القمة أو غيرها..
وحتى إشعار آخر حين تستعيد الذاكرة العربية أن يكون أبرز أعضاء الوفود في القمة هم رؤساء الأركان، ليس لكي يعلنوا الحرب.. بل ليستعدوا ـ كما ينبغي ـ للدفاع عن السلام!!
كاتب صحافي مصري
