لقد أصبح موضوع حقوق الإنسان واحداً من أهم المواضيع الدولية في قياس مدى تطور الدول ومدى التزامها بالمبادئ الدولية، وغدا هذا الموضوع من المواضيع التي لا يمكن لأية دولة ما كانت أن تتجاهله، بل أصبح الشغل الشاغل للكثير من الجهات الحكومية وغير الحكومية في جميع الدول من أجل متابعة مدى التزام مؤسساتها بمعايير حقوق الإنسان.
ودولة الإمارات ليست بعيدة عن مثل هذا التوجه؟ حيث أصبح موضوع حقوق الإنسان من القضايا التي بدأت الدولة تولي اهتماماً لها لاسيما بعد أن أدركت الدولة بأن واقع تركيبتها السكانية غدى يحتم عليها النظر في مثل هذا الموضوع بعين الاعتبار؟
حيث ان وجود العدد الهائل من الوافدين الطالبين العمل في هذه الدولة أصبح في تزايد وأصبحت دولهم الأم وجهات أخرى دولية تتابع عن كثب حالة مثل هؤلاء الأشخاص في الدولة.
صحيح أن الإمارات لم تصل بعد إلى حالة المثالية في مسألة احترام حقوق الإنسان لكن الصحيح أيضاً هو أن الدولة بذلت الكثير من الجهد في هذا المجال وهو جهد مشكور ويجب أن يشاد به.
دولة الإمارات دولة اتحادية فالجهد موزع بين الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية، وعلى كلا المستويين هناك جهد مبذول في مجال احترام حقوق الإنسان؛ ولعل إنشاء لجنة دائمة لحقوق الإنسان من قبل مجلس الوزراء الإماراتي يعتبر خطوة إيجابية نحو متابعة ملفات حقوق الإنسان في دولة الإمارات.
لكن في نظرنا نعتقد أن التأسيس لثقافة حقوق الإنسان في دولتنا الغالية يتطلب منا خطوة أكبر من إنشاء لجنة تعنى بحقوق الإنسان نحو الأخذ بخطوة أخرى مهمة تتمثل في إنشاء وزارة لحقوق الإنسان تكون مهمتها متابعة واقع حقوق الإنسان في الدولة .
وتعمل على مساعدة متخذ القرار في وضع السياسات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان على جميع المستويات وتسعى لنشر ثقافة جديدة في دولة الإمارات حول حقوق الإنسان وتصبح نافذة الإمارات للعالم حول موضوع حقوق الإنسان.
أهمية إنشاء وزارة لحقوق الإنسان في الإمارات تكمن في عدة اعتبارات نذكر منها التالي: أولاً، إن موضوع حقوق الإنسان موضوع متشعب وتدخل فيه الكثير من الجهات الاتحادية والمحلية في دولة الإمارات وبالتالي تبرز الحاجة إلى وجود جهة حكومية ذات صلاحية لتنسيق تلك الجهود والإشراف عليها ومتابعتها وبالتالي عدم ترك الموضوع لجهات مختلفة تتعامل معه.
الإمارات بحاجة إلى صوت واحد يدافع عن سجل حقوق الإنسان لديها حتى تصبح العملية أكثر تنظيماً وبالتالي أكثر فاعلية. ثانياً، إن وجود وزارة اتحادية تعنى بحقوق الإنسان من شأنه أن يحسن من نظرة العالم للإمارات .
حيث ان وجود مثل هذه الوزارة سيعطي انطباعاً واضحاً للجميع ولاسيما لأولئك المهتمين بسجل حقوق الإنسان على المستوى العالمي بأن الإمارات بالفعل لديها اهتمام بهذا الموضوع وهذا الاهتمام أصبح في صلب اهتمامات القيادة السياسية فيها.
وثالثاً، إن وجود وزارة اتحادية يعطي الانطباع أيضاً بأن الاهتمام بهذا الموضوع في دولة الإمارات هو اهتمام دائم وليس مؤقتاً حيث ان إنشاء وزارة متفرغة للعمل في مجال حقوق الإنسان أهم بكثير من إنشاء لجنة غير متفرغة ولدى أعضاؤها الكثير من الأعباء والمسؤوليات الأخرى الملقاة على عاتقهم؛ فالوزارة قادرة على أداء العمل بشكل أكثر إتقاناً واحترافية وبشكل مستمر لكونها جهة متخصصة ومتفرغة لهذا المجال.
مجتمع الإمارات ما عاد كما كان قبل ثلاثين سنة مجتمعاً متجانساً بل أصبح مجتمعاً خليطاً من أجناس مختلفة جاءت لتعمل في المساعدة على تحقيق النمو المطلوب لهذه الدولة وبالتالي أصبح موضوع احترام حقوق مثل هذه الأجناس الإنسانية من القضايا المهمة التي أصبحت في صلب اهتمام الكثير من المنظمات والجهات الدولية على المستوى العالمي.
وهذه الجهات تقيس الأمور بمعايير دولية، وفي حالة غياب الضوابط الداخلية لتنظيم هذه المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان يصبح هذا الموضوع شغلاً شاغلاً لمثل هذه الجهات الدولية.
الإمارات قطعت مشواراً لا بأس به في هذا المجال إلا أن الطريق ما زال طويلاً، وكما أننا نريد لدولتنا أن تكون سباقة دائماً وفي الريادة في مختلف المجالات فإننا نود لها الريادة في مجال حقوق الإنسان لأنه ليس لدينا في الدولة ما نخشاه في هذا المجال سوى حاجتنا إلى جهة حكومية تعمل على لملمة الجهود جميعها في بوتقة واحدة .
وتعمل على وضع الأسس والقواعد اللازمة لموضوع حقوق الإنسان في مجتمع الإمارات وتكون متزنة في التوجه ومدافعة عن الإمارات في المحافل الدولية من خلال عرض ما تقوم به الدولة في هذا المجال وما حققته من مستويات متطورة في ملف حقوق الإنسان.
الخطوة الأخيرة التي قام بها مجلس الوزراء فيما يتعلق بإنشاء لجنة دائمة لحقوق الإنسان هي خطوة في محلها ولكن ربما أن الحاجة تجعلنا ننظر إلى أن المستقبل يتطلب منا خطوة أكبر من هذه الخطوة ونحو الأخذ بخطوة جديدة تتمثل في إنشاء وزارة تعنى بشؤون حقوق الإنسان في دولة الإمارات تكون هذه الوزارة مرآة العالم للإمارات فيما يتعلق بملف غاية في الأهمية ألا وهو ملف حقوق الإنسان.
جامعة الإمارات