لم يترك أبناء المفكر العربي الكبير الراحل دكتور فؤاد زكريا وتلاميذه ومحبوه والمتأثرون بإسهامه الرائد في الحياة الفكرية العربية مجالا للمزيد من الكلمات، التي تعبر عن مدى عمق الشعر بالخسارة، التي منيت بها أمتنا مع رحيل هذا المفكر عن عالمنا.
غير أنني أود أن أضيف، إلى الكثير الذي قدموه، مقاربة متواضعة من واقع ما أعرف عن قرب، فقد كان المفكر الراحل صانع أجيال حقا، وقد أتاح للكثيرين على امتداد عالمنا العربي أن يقدموا أفضل ما لديهم.وأحسب أنه لولا قدرته هذه على التقاط أصحاب المهارات الواعدة لحرمت الحياة الفكرية العربية من الكثير ممن يساهمون اليوم في إنارتها، في زمن عز الضوء فيه، وغابت تحت آفاقه شجاعة التنوير.لكنني، قبل أن أتطرق إلى هذا الجانب، أود أن أتعرض للمحات يظل الحديث عن الراحل الكبير من دونها سياقا لا يعرف الاكتمال:
أولا- كان العقل العربي هو مناط اهتمامه الأول، وهذا الاهتمام ما كان يمكن إلا أن يكون الجسر الذي انطلق عليه إلى قضايا أخرى بالغة الخطورة، أهمها إعمال العقل في مواجهة المشكلات والتحديات، والتصدي للتخلف الذي عرقل مسيرة الحياة العربية طويلا، والوصول إلى الحرية.
وكان الخيار الجوهري الذي يرى أنه مطروح على أمتنا هو أن تعمل سلطة العقل في شؤون حياتها، أو أن نبقى جميعا «ضيوفا على العالم»، حسب تعبيره الشهير.
ثانيا-هذا المنهج العقلي النقدي، الذي تبناه دكتور فؤاد زكريا منذ دراسته المبكرة عن نيتشه، ما كان يمكن أن يفضي به إلى حياة هادئة، تقوم على التدريس في رحاب الجامعة والمساهمة في الدوريات العلمية المتخصصة فحسب، وإنما فرض عليه اجتياز مجموعة هائلة من المواجهات، ابتداء من خلافاته مع شرائح من اليساريين والشيوعيين.
وامتدادا إلى صدامه مع أجنحة في التيار الناصري، وليس انتهاء إلى ما قاده إليه شعار «العلمانية هي الحل» من مواجهات محتدمة مع أبرز رموز التيار الإسلامي، والتي وصلت إلى ذروتها في الندوة التي جمعته في القاهرة في الثمانينات مع الشيخين الجليلين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، وشهدتها جموع غفيرة من المهتمين والمعنيين.
ثالثا- لم يكن فؤاد زكريا رجل كلمة ورؤية نظرية فحسب، وإنما كان يترجم الكلمة والرؤية إلى موقف عملي، يبادر إلى تبنيه والتمسك به، حتى وإن دفع ثمن ذلك غاليا.
ومن هنا فإنك تجد محطات واضحة في حياته لا تعدو أن تكون تجسيدا لدفع ثمن باهظ لموقف تبناه، وأبى أن يحيد عنه، هكذا تجد حياته العملية تمر بفترة عمل خلالها في منظمة دولية، وعانى من مرارة نفي حقيقي بكل المعايير، ولعل من أبرز مواقفه العملية مناداته بالتصدي للنظام العراقي السابق، الذي رآه مندفعا نحو إضرار مؤكد ليس بالقضايا العربية في مجملها فحسب.
وإنما بالعراق وطنا وشعبا أولا، وتشهد مقالاته الست عشرة التي كتبها مدافعا عن الكويت خلال احتلالها على مفكر مناضل، يعرف كيف يحول قلمه إلى أداة مؤثرة في تغيير قسمات واقع بغيض.
رابعا- اقترن اسم فؤاد زكريا بالمساهمات الكبرى في الحياة الفكرية العربية، فقد كان أحد أبرز المساهمين في إنشاء سلسة «عالم المعرفة» الكويتية، وعمل مستشارا لها على امتداد عقود.
خامسا- مع رحيل دكتور زكريا عن عالمنا، في كبرياء الفرسان وصمتهم النبيل، تبقى لنا، إلى جانب مواقفه ومساهماته الجليلة، كتبه التي تبدأ من «نيتشه» الصادر عام 1956 ، وتتوالى عبر كتاباته عن نظرية المعرفة، اسبينوزا،الإنسان والحضارة، التفكير العلمي ، خطاب إلى العقل العربي، آفاق الفلسفة، وكتبه التي تعكس معارك فكرية محتدمة، أبرزها «كم عمر الغضب»، ثم لا تغيب ترجماته الرائدة لراسل وماركوزه وهاوزر ورايشنباخ وغيرهم من عمالقة الفكر الغربي الحديث.
بكثير من الحزن والشجن المؤرق أتذكر، فيما أتأمل هذه اللمحات، كيف أن الراحل الكبير كان هو الذي أتاح لي، كما فعل مع كثيرين غيري، أن أواصل السير في مجال الترجمة.
وذلك عندما تبنى، قبل ثلاثين عاما، نشر» عالم المعرفة « لكتابين من ترجمتي، هما «الموت في الفكر الغربي» و«الفكر الشرقي القديم». ولم يكن لي من شفيع عنده إلا ما رآه من جهد بذلته في ترجمة العملين، اللذين يواصلان الصدور حتى اليوم.
ولم يكن هذا من قبيل الصدفة، فقد كان هو نفسه الذي شدد مرارا وتكرارا على أن: «من أهم المعايير الأخلاقية التي طبقت في (عالم المعرفة) عدم الخضوع للوساطات، وهي آفة أي مشروع ثقافي في العالم العربي، ومثلها العلاقات الشخصية».
وعندما شرعت في تأليف كتابي « مستقبل الثقافة في الإمارات»، كان لابد لي من دراسة نموذج التنمية الثقافية في الكويت، وهو ما أتاح لي أن أدرك بصورة أكثر عمقا مدى اتساع نطاق مساهمة دكتور فؤاد زكريا في إثراء الحياة الثقافية العربية، عبر دوره الكبير في تجربة التحديث الكويتية الفريدة.
يظل د.فؤاد زكريا في الذهن والقلب والوجدان ، وتبقى خالدة كلمته الشهيرة عن الثقافة باعتبارها «خط الدفاع الأول والأخير»، وأن مستقبل ثقافتنا العربية هو مستقبل أمتنا العربية ذاتها.

