يحتل الأزهر الجامع والجامعة مكانة مرموقة، ليس في قلوب المصريين وحدهم، بل إنها تمتد إلى نفوس عدد كبير من المسلمين في العالم، كونه المؤسسة الدينية التي لعبت أدواراً مهمة في حياتهم.
من هنا نفهم الجدل الذي يثار عادة بشأن مواقف مشايخ الأزهر الكبار خاصة ما يختلط منها بأمور مرتبطة بحياة الناس اليومية سواء على الصعيد الداخلي في مصر، أو ما يتعلق منها بالعلاقة مع الخارج.
على هذه الخلفية، أثارت آراء شيخ الأزهر الراحل الدكتور سيد طنطاوي رحمه الله، العديد من المعارك، التي جرت عليه الانتقاد إن لم يكن الهجوم، وخاصة من رجال الإعلام، الذين دخل الشيخ مع بعضهم في خصومة وصلت إلى ساحات المحاكم، ما اعتبره البعض إضعافاً لصورة الأزهر، كون القائمين عليها عادة ما يترفعون عن مثل هذه الخلافات.
وبعد رحيل الشيخ طنطاوي، ها هي المؤسسة العريقة تستقبل شيخاً جديداً، هو الدكتور أحمد الطيب، لينضم إلى قائمة رجالات الأزهر العظام الذين تولوا منصب الإمام الأكبر للجامع الأزهر على مدى قرون.
وبالضرورة فإن الدكتور الطيب الذي عرف عنه دماثة خلقه ورجاحة عقله، لابد وأن يكون تحت عين الإعلام والناس الذين سيتابعون كل ما سيصدر عنه من تصريحات وأراء، وسيضعونه في مقارنة مع سلفه، ولعل البعض استبشر خيراً بما أعلنه شيخ الأزهر الجديد من رفضه زيارة المسجد الأقصى والقدس قبل تحريرهما من الاحتلال الإسرائيلي، لأن ذلك في نظره وهو محق «يعد اعترافاً بشرعية الاحتلال».
لم يكتف الشيخ بهذا الموقف بل قال إنه يدعوا جميع المسلمين في مختلف أنحاء الأرض إلى عدم زيارة القدس حالياً أو الانسياق وراء الدعوات التي تدفعهم إلى ذلك الأمر.
وعلى عكس سلفه الذي صافح الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز ذات مرة قال الدكتور الطيب إنه سوف يتجنب ذلك «لأنه من غير المنطقي أن أصافح رئيس دولة تحتل مقدساتنا الإسلامية وتتعدى على أشقائنا الفلسطينيين».
هذا الموقف الصريح من قضية التطبيع الشائكة بالنسبة لمن هم في مناصب رسمية في مصر التي تقيم علاقات مع إسرائيل، يحسب لصالح الدكتور الطيب الذي تنتظره الكثير من القضايا، وبشكل خاص تلك التي يمكن أن تعيد للأزهر رونقه وشبابه، وهي قضايا تراكمت عبر سنوات .
وقد آن أوان فتح ملفاتها من منظور يتخطى التجاذبات السياسة، والنظرة الحزبية الضيقة. وربما مطالبة البعض بتخلي الإمام الأكبر للجامع الأزهر عن عضويته في الحزب الوطني الحاكم في مصر لها ما يبررها، باعتبار الأزهر مؤسسة فوق حزبية، وشيخ الأزهر يجب أن يكون انتماؤه لكل المصريين.
وليس إلى فريق دون آخر، مع تقديرنا أن الدكتور الطيب سواء عندما كان مفتياً للديار المصرية خلال الفترة من عام 2002 إلى 2003، وحتى وهو على رأس جامعة الأزهر قبل تعيينه إماماً أكبر، لم يكن من النوع المثير للجدل والخلاف، بل عرف عنه الرغبة الصادقة في القفز على القضايا الخلافية، والنظر إلى ما يجمع ولا يفرق.
الأزهر مؤسسة ذات تأثير كبير في حياة الناس، وهؤلاء يعولون عليها دائماً في إعانتهم على فهم دينهم، ومساعدتهم على تحمل مصاعب دنياه، ومنصب الإمام الأكبر يحتاج من صاحبه الكثير من الجهد، للحفاظ على دور الجامع ومكانته، وننتظر من الدكتور الطيب أن يعيد نفض ما علق من غبار في ثوب الأزهر الزاهي خلال السنوات الأخيرة، وإعادة الصورة الوقورة، والهيبة المحبوبة إلى رجال الأزهر في نفوس الناس.
ولعل شيخ الأزهر الجديد، الحاصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية من جامعة السوربون، يدرك أن أزهر القرن الواحد والعشرين يختلف البتة، عن أزهر القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين الأقرب، من حيث الدور والرسالة.
والتحديات التي تواجه رجاله في عصر ثورة الاتصالات وتقدم العلوم، وانفتاح العالم على بعضه، في ظل عولمة شرسة تلتهم خصوصيات الأمم والشعوب لصالح نموذج أحادي الجانب، وهو ما يتطلب جهداً مضاعفاً من الأزهر في قضية الحفاظ على الهوية، من دون تقوقع، وبلا إفراط أو تفريط.
