مضت 30 عاماً منذ أن خسرت الأرجنتين حرب جزر فولكلاند، وها هي تعود مجدداً اليوم لتحذر بريطانيا بأنها مصممة على استرداد الجزر.
الأرجنتين غاضبة الآن بسبب قيام إحدى الشركات البريطانية بالتنقيب عن النفط قبالة الجزر، التي تعتبرها حديقتها الخلفية في جنوب الأطلسي.
ومع أن الأرجنتين تتمتع بنظام ديمقراطي، شكلياً، فإن حكومة كريشنر غير الشعبية في بوينس آيرس تقول إن موضوع الجزر، ذات الكثافة السكانية الضئيلة، يعتبر قضية اعتبارية تمس كبرياء الناطقين بالإسبانية في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، وأن الجزر تعود للأرجنتين لأنها كانت إسبانية في القرن التاسع عشر.
واستجابة لكل هذه التطورات، أعلنت إدارة أوباما أنها ستلتزم الحياد. ناهيك عن أن سكان جزر فولكلاند أنفسهم يودون أن يظلوا بريطانيين،وناهيك عن تاريخنا الحافل بتأييد الموقف البريطاني في هذه القضية، بما في ذلك خلال حرب 1982، فإن هناك أسبابا كثيرة أخرى تجعل من موقف الحياد هنا خياراً سيئاً.
بريطانيا عضو أساسي في «ناتو)، ولقد بذلت الدماء جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة في الحربين العالميتين، وفي الحرب الكورية وصراعين آخرين في العراق، وما زالت تفعل الشيء نفسه في أفغانستان.
والمملكة المتحدة لا تزال تشترك مع الولايات المتحدة بروابط قربى لغوية وثقافية وتاريخية. نحن لا نؤيد كل ما يفعله البريطانيون، وهم كذلك لا يؤيدونا على الدوام.
لكن صداقتنا الوطيدة المتواصلة منذ قرون يجب أن تكون كفيلة بأن تحظى بريطانيا منا بتأييد خاص في نزاعاتها، حتى في مشكلة فولكلاند التافهة نسبياً.
وإذا لم نعتبر بريطانيا حليفاً، فإن الولايات المتحدة لم يعد لها أي حلفاء حقيقيين على الإطلاق.وربما يكون هذا هو أصلاً الهدف المراد من الموقف الأميركي الأخير.
فإدارة أوباما لا تحب أن ترى العالم منقسماً جداً بين معسكر الحلفاء على جانب والبقية على الجانب الآخر.ولقد قام الرئيس أوباما بإلغاء خطة دفاع صاروخي مع الحليفتين بولندا وجمهورية التشيك، في محاولة منه للتودد إلى الروس المعادين.
ويبدو أوباما أكثر حرصاً على تهدئة الأمور مع الرئيس الفنزويلي شافيز من حرصه على تقوية تحالفنا مع الحكومة الديمقراطية الموالية لأميركا في كولومبيا المجاورة.
وتطول القائمة بالأمثلة على هذا التوجه. في هذه الأثناء، حاول أوباما، بشكل رمزي، التقليل من شأن أميركا،عن طريق الاستخفاف بفكرة قدرات وإمكانيات أميركا (الاستثنائية)، والانحناء للزعماء الأجانب، والاعتذار عن الخطايا الأميركية الماضية.
وهذا كله يثير سؤالاً مهماً: ما هي بالضبط مزايا مصادقة الولايات المتحدة هذه الأيام، عندما نتعامل مع المحايدين والأعداء بنفس القدر من التعاطف الذي نتعامل به مع الأصدقاء؟
ولقد سبق أن شهدنا مثل هذه المواقف في الغرب من قبل.فبعد المذابح الفظيعة في الحرب العالمية الأولى، ظن الأفلاطونيون خطأً أن التحالفات الأوروبية المتنافسة وحدها تتحمل مسؤولية نشوب الحرب.
وهكذا عمدوا إلى تأسيس عصبة الأمم، على أساس أن المواطنين العالميين المتنوّرين سيصنعون السلام بكفاءة أفضل من السياسيين القوميين الذين سعوا بكل فجاجة ذات مرة إلى توفير الأمن من خلال موازنة القوى وتأسيس التحالفات.
وكانت النتيجة بزوغ هتلر ونشوب الحرب العالمية الثانية التي كانت أكثر فظاعة من الأولى. وبعد 1945، راحت الولايات المتحدة تتحدث بلهجة مفعمة بالثقة والحكمة عن الأمم المتحدة الجديدة، لكن على أرض الواقع، كانت تحالفات الولايات المتحدة هي التي حمت أجزاء كبيرة من أوروبا وآسيا من عدوان الاتحاد السوفييتي.
واليوم، هناك العديد من البقع الساخنة على شاكلة فولكلاند في أنحاء العالم. لكن الولايات المتحدة، وليس محكمة العدل الدولية في لاهاي، هي التي تمنع كوريا الشمالية من مهاجمة كوريا الجنوبية. وقوة أميركا، لا المجتمع الدولي، هي التي تقنع الصين بعدم الضغط على صديقتنا تايوان.
وأوروبا تنعم بالأمن بفضل (ناتو) الذي تقوده الولايات المتحدة، لا بفضل جهود مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وبعبارة أخرى، فإن أميركا وأحلافها تحافظ على أمن وسلامة الأصدقاء. والعالم الآن أكثر سلاماً وازدهاراً من أي وقت مضى في التاريخ بسبب اعتماد عشرات الدول على دعمنا ومشاركتنا في قيمنا.
أستاذ في جامعة ستانفورد