بكلمات وتعبيرات واضحة ومباشرة ، عبر جلالة الملك عبدالله الثاني في حديثه لرؤساء تحرير الصحف اليومية عن الموقف الأردني تجاه الممارسات المعيقة للسلام والمسببة للتوتر الاقليمي والتي تقوم بها الحكومة الاسرائيلية.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها جلالة الملك عن الموقف الأردني: فقد حدث ذلك في تصريحات ومقابلات عديدة في الاشهر الماضية ولكن تصريحات جلالته الأخيرة جاءت في اطار شمولي لم يكتفً بتوصيف المخاطر الناجمة عن الوضع الحالي بل امتد الى تحديد الموقف الأردني من الخيارات المطروحة على الساحة الاقليمية والدولية.

موقف جلالة الملك يمكن توضيحه في ثلاثة أبعاد متكاملة. الخيار الاستراتيجي الأول للأردن هو ضرورة اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي تمتد في حدود فلسطين ما قبل العام 1967 وتكون دولة قابلة للاستدامة وذات سيادة على الارث التاريخي والديني والموارد وتتمتع بتكامل جغرافي. أما في حال فشل هذا الخيار لأسباب عديدة فان البديل الوحيد هو دولة ثنائية القومية في حدود فلسطين التاريخية. وفي هذا السياق لا توجد أية امكانية للموافقة أو الرضا بخيار ما يسمى "الوطن البديل" حيث أكد جلالته بصريح العبارة "لا يوجد شيء اسمه الخيار الأردني ، ولا يستطيع أحد أن يفرض مثل هذا الحل ، ومن يتحدث بهذه الأوهام يتحدث عن شيء مستحيل حدوثه".

حديث جلالة الملك أوضح ايضا لكل من يريد أن يفهم الموقف الأردني أن هناك نذر مواجهة دبلوماسية أردنية - اسرائيلية تلوح في الأفق تستند الى حزم الأردن تجاه الممارسات الاسرائيلية التي تستهدف تقويض المقدسات الاسلامية وفرص السلام في المنطقة ، وهي مواجهة لا بديل عن خوضها للدفاع عن الحق العربي والفلسطيني في القدس والوقوف في وجه العنجهية الاسرائيلية ، حيث يؤكد جلالة الملك أن "كل الخيارات السياسية والقانونية والدبلوماسية مفتوحة للتعامل مع الاجراءات الاسرائيلية المرفوضة ومنع اسرائيل من الوصول الى غايتها". ولكن جلالته يعيد التذكير بأن هذا الموقف الأردني يندرج ضمن سياق الهدف الاستراتيجي في الوصول الى حل سلمي مستدام عبر مفاوضات جادة وفاعلة ومحكومة بجدول زمني محدد وعلى أساس المرجعيات المعتمدة ، وهو يحذر من محاولات اسرائيل لازالة الضغط الدولي الواقع عليها عن طريق استفزاز العرب والفلسطينيين للانسحاب من مسار التفاوض السلمي والادعاء بعدم وجود طرف فلسطيني وعربي شريك في السلام. هذه المعادلة السياسية الاستراتيجية معقدة ولكن القيادة الأردنية تدركها بوضوح وتخطط لمواقفها السياسية بناء عليها مع ترك الخيارات الدبلوماسية والسياسية مفتوحة كما أكد جلالته.

المرحلة القادمة صعبة من الناحية السياسية ، ولا ينكر جلالته احتمال وجود ضغوطات دولية على الأردن للتعامل بمرونة مع "الخيار الأردني" ولكن الملك يؤكد بأن هذه الضغوطات حتى وان تمثلت في شكل ضغوطات اقتصادية فان الأردن قادر على تحمل نتائجها لأن البديل هو "انتحار للبلد" حسب تعبير جلالته: فنحن في الأردن نختار أن نواجه الصعوبات حتى نحافظ على بلدنا في وجه اية ضغوطات.

حديث جلالة الملك نبراس مضيء للموقف الأردني ، يستحق كل الاحترام والاجلال والأهم من ذلك العمل الدؤوب من كافة المؤسسات الدبلوماسية والسياسية والتنموية في الأردن لبناء بلدنا من الداخل والمضي قدما في الاصلاح والتحديث الذي يساهم في تقوية الدولة والمجتمع وعدم الالتفات للدعوات الهدامة والاشاعات والتوجهات التي تحاول عرقلة جهود التنمية والاصلاح الوطني لنكون على مستوى ثقة جلالة الملك بأبناء هذا البلد وقدرتهم على التعامل مع هذه المرحلة السياسية والاقتصادية الصعبة.