انطلقت مسيرة التوحيد الأوروبي مع توقيع اتفاقية روما عام 1957 من قبل ست دول أوروبية. كانت اليونان هي الدولة العاشرة في ترتيب الانضمام إليها عام 1981.
واليونان تمرّ منذ أشهر عديدة بأزمة مالية عاصفة، وهي بحاجة لإسعافها بالمال سريعا، حيث فاقت ديونها ال300 مليار يورو، وهي عاجزة عن الوفاء بالاستحقاقات القريبة، ومهددة باضطرابات اجتماعية كبيرة.
هذه الأزمة اليونانية كشفت عن عمق الانقسام في المواقف الأوروبية، حول أن يكون الخروج منها عبر المساعدات والتضامن الأوروبي، أو عبر اللجوء إلى صندوق النقد الدولي. هذا الخيار الثاني هو الذي قد يفرض نفسه، مع ما يحمله من تقليل لمصداقية الاتحاد الأوروبي.
لكن المسألة أبعد وأعمق من مسألة مصداقية، ومن إجراءات تقنية وخطط مالية تنتهجها اليونان. إنها قد تمس مستقبل و«وجود» اليورو، والاتحاد النقدي الأوروبي ذاته.
أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، كانت في غاية الصراحة والوضوح، عندما قالت إنها تؤيد الطرد ك«آخر علاج» لأية دولة في منطقة الاتحاد النقدي (منطقة اليورو)، إذا تقاعست كثيرا في مجال ضبط ميزانيتها وغرقت بالديون.
الدولة المقصودة هي اليونان. والموقف الرسمي الألماني الرافض للحلّ الأوروبي المالي للأزمة اليونانية، حتى الآن، يتناظر تماما مع موقف الرأي العام في ألمانيا، على خلفية نوع من «الحنين» لدى الألمان للمارك ولزمن الاستقرار الذي رافقه، حسب العديد من التحليلات التي نشرتها الصحافة الألمانية ذاتها، ونقلتها عنها وسائل الإعلام الأوروبية الأخرى.
الألمان عموما يؤكّدون القول إن على اليونان أن «تقلع شوكها بيدها»، وتقوم بالإصلاحات البنيوية الضرورية لتقليص عجز ميزانيتها وديونها، ووضع اقتصادها في إطار المعايير التي حددتها الاتفاقيات الأوروبية المُلزمة للجميع، وفي مقدّمتها اتفاقية ماستريخت التي تشكّل الأساس القانوني لليورو.
الحكومة الألمانية هي الوحيدة بين الحكومات الأوروبية، وإلى حدّ ما الحكومة البريطانية، التي لا تزال بعيدة عن «حمّى» موجة الدعوة إلى التضامن الأوروبي «المالي» مع اليونان، باسم تعزيز مسيرة التوحيد الأوروبي.
برلين ترى في المقابل، أن الاستجابة السهلة ودفع الأموال للدول التي تعاني من مشاكل بسبب سياساتها الاقتصادية، تعني فتح باب لا يمكن لأحد أن يغلقه غدا. اليوم اليونان، وغدا إسبانيا، وبعد غد البرتغال وبعدها إيطاليا.. ثمّ ربما بريطانيا نفسها.
هذا الموقف الألماني، الذي يصفه البعض في فرنسا وغيرها بأنه متصلّب ومتشدد و«عنيد»، يقوم في الواقع على خلفية سؤال مطروح بقوّة في ألمانيا، حول مدى «صلابة» العملة الأوروبية الموحّدة «اليورو»، وما تؤمّنه من استقرار!
وحيث كانت المحكمة الدستورية الألمانية قد نظرت هي نفسها في هذه المسألة، ووصل القضاة إلى نتيجة مفادها أن ألمانيا دخلت الاتحاد النقدي الأوروبي، على أساس أن اليورو سيصبح وسيلة فاعلة في خلق وتعزيز أركان الاستقرار في منطقته.
وذلك على قاعدة الأساس المتين الذي تمثله اتفاقية ماستريخت، و«ميثاق الاستقرار الأوروبي» الذي وقّعت عليه الدول الأعضاء المعنيّة في الاتحاد الأوروبي.
ومن الأسس الثابتة في الاتفاقيات والمواثيق الأوروبية، ضرورة الانضباط الكامل والصارم فيما يتعلّق بموازنات الدول الأعضاء، التي عليها أن تحلّ أزماتها المالية بنفسها، حيث هناك بند خاص يمنع بلدان منطقة اليورو من أن تخفّ لإنقاذ شريك أوروبي غارق بالديون، مثل اليونان اليوم.
هذا كلّه مغيّب الآن في نظر الألمان، بل يتم تقديم مختلف الحجج لخرق هذه الأسس. وهذا يعني أيضا سقوط آخر ضمانات استقرار اليورو، بحيث يغدو الاتحاد النقدي الأوروبي مجرّد «مجموعة مانحة للديون». وفي المحصّلة، من المفهوم أن يشعر الكثير من الألمان بالحنين إلى المارك، «ماركهم» وعنوان اقتصادهم القوي، وخاصّة الحنين إلى الاستقرار الذي منحه لهم.
رئيس الحكومة اليونانية جورج باباندريو، ردّ بسرعة على المستشارة الألمانية قائلا: «لا يمكن للعقوبات وحدها أن تكون الحل. وعقاب بلاد بطردها، لن يكون فشلا للبلاد المعنية وحدها، ولكن بالأحرى للاتحاد النقدي نفسه».
وأوضح أن اليونان لا «تستجدي» المساعدة من الألمان أو غيرهم، ولكنها تطالب بالدعم السياسي القوي لتنفيذ الإصلاحات الضرورية و«دفع الثمن الضروري المطلوب، وليس أكثر».
المؤكّد أن هناك وعيا أوروبيا كاملا بالرهانات الجوهرية التي تطرحها الأزمة اليونانية، والمؤشرات عديدة على أن اليونان سوف تخرج منها، وأن أوروبا ستجد سبل مساعدتها.. لكن منطقة اليورو كلّها قد ينفرط عقدها أمام أية عاصفة جديدة.
كاتب سوري ـ باريس