بات الحديث عن صيغة التفافية عنوانها العودة (غير المباشرة) لطاولة المفاوضات (وبالطبع مع غياب وقف الاستيطان والتهويد في الواقع العملي)، نكوصاً إضافياً في الوضع الفلسطيني بشكل عام، خصوصاً مع فشل الجهود المبذولة حتى الآن للوصول إلى بر المصالحة الوطنية الفلسطينية.

كما بات في الوقت نفسه عودة فلسطينية يتيمة لطاولة المفاوضات، بصيغة جديدة عنوانها «المفاوضات غير المباشرة»، وهي صيغة ستنقلها في حقيقة الأمر لوضع أصعب، في ظل غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي غياب أي من عوامل وأسانيد وأوراق القوة الفلسطينية.

فالمفاوضات غير المباشرة، وبالشروط الموضوعة من الطرف الأميركي، ستجعل الطرف الفلسطيني السلطوي أضعف حتى مما كانت عليه الحال في المفاوضات المباشرة، خصوصاً مع غياب الأطراف الدولية المؤثرة في اللجنة الرباعية عن متابعة ما يدور داخلها وفي كواليسها وجنباتها، وبالتالي فإن نتائجها ستكون مؤلمة أيضاً للفلسطينيين.

فالمفاوضات غير المباشرة المطروحة الآن، توفر غطاء تكتيكياً يخدم الهدف الاستراتيجي للطرف المعادي، في ظل غياب الخيارات المجدية من قبل العرب والفلسطينيين.

عدا عن كونها ستزيد من الإشكالات الداخلية المعطلة لمسيرة المصالحة الوطنية الفلسطينية المنشودة، وهو ما عبر عنه جميع القوى الفلسطينية، عبر بياناتها السياسية التي تواترت فور صدور قرار لجنة المتابعة العربية.

فالجبهة الشعبية اعتبرت أن الموقف الأخير للجنة المتابعة العربية، مخالف لقرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك لإجماع فصائل المقاومة الفلسطينية التي ترفض المفاوضات، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن «الموقف الفلسطيني هو الأساس في الموقف العربي، وليس العكس».

وذهبت تقديرات باقي القوى الفلسطينية من فصائل منظمة التحرير، للقول بأن قرار لجنة المتابعة العربية سيؤدي إلى المزيد من الخلافات في الساحة الفلسطينية، على حد تعبير حزب الشعب الفلسطيني، وهو فصيل أساسي من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي محاولة لتبرير وتمرير قرار لجنة المتابعة العربية، سربت جهات سياسية ودبلوماسية عربية معلومات تقول بأن الرئيس محمود عباس حصل على تطمينات «شفوية»، حيال مرجعية المفاوضات المقترحة وطبيعة الدور الأميركي «الفاعل» في المرحلة القادمة.

وقيل إن نائب الموفد الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ديفيد هيل، كان قد نقل تلك التطمينات الى الرئيس عباس في لقائه الأخير معه في رام الله، مشيراً له، حسب مصادر مختلفة.

إلى أن «دور الولايات المتحدة سيكون فاعلاً ومباشراً، وليس بروتوكولياً ولمدة زمنية معينة»، لافتاً إلى استعداد أميركا «لتدخل فاعل لرأب الخلافات، وأيضا إجراءات تفكر بتبنيها في حال فشلت خلال هذه المرحلة».

وكان ديفيد هيل قد التقى الرئيس عباس ضمن جولته العربية التي سبقت اجتماعات لجنة المتابعة العربية، لضمان موقف عربي داعم للرئيس عباس.

وقد حمل هيل معه في زيارته إياها أيضاً رسائل شفوية من نوع آخر، تحمل في طياتها «تخويفا للعرب ودعوة لالتقاط الفرصة الأخيرة»، تحت عنوان أن «على العرب التعامل بإيجابية مع نافذة الفرص الضئيلة، لتجاوز أزمة التفاوض قبل شروع الرئيس باراك أوباما في التحضير هذا الصيف لمعركة انتخابات الكونغرس النصفية نهاية العام».

وذكرت مصادر فلسطينية ذات مصداقية عالية، أن ديفيد هيل قدم رؤية الولايات المتحدة للمفاوضات غير المباشرة، حسب الصيغة التي أتي بها السيناتور جورج ميتشل قبل أسابيع.

والتي يفترض أن تستمر ما بين ثلاثة إلى أربعة شهور، لتقريب وجهات النظر حيال «أمور جوهرية، ومساعدة الطرفين على الانخراط في محادثات حيال قضايا جوهرية»، وليس على «شكليات المحادثات كما حدث سابقاً».

وفي موازاة ذلك، سيبدأ العمل على تطبيق خمس نقاط اقترحها ميتشل سابقاً لبناء الثقة على الأرض، منها الإفراج عن أسرى فلسطينيين على دفعات، ووقف اقتحام المدن الفلسطينية، أي العودة إلى حال قريب من ما كانت عليه الأمور قبل سبتمبر 2000 عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

والانتقال للبحث في قضايا الحل النهائي، بدءاً بترسيم حدود الدولة الفلسطينية، على أمل أن يؤدي ذلك ضمنياً لوقف عمليات الاستيطان، لتبدأ بعدها محادثات سياسية مباشرة، تفضي إلى قيام دولة مستقلة مع نهاية فترة أوباما أواخر 2012.

وفق رؤيته ووعده بإقامة دولة فلسطينية مستقلة متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة، تعيش بجانب «دولة إسرائيل»، مع «تبادل أراض محدود ومتساو في المساحة والأهمية».

في هذا السياق، فإن تقديرات المتابعين للشأن السياسي الفلسطيني، وفي ميدان المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، يتجهون للاعتقاد بأن صيغة «المفاوضات غير المباشرة» المقترحة أميركياً، والتفويض العربي الجديد للرئيس محمود عباس.

لا تحمل عناصر إدامة، لكنها تساعد على خلق حراك «عنوانه إضاعة الوقت وتعبئة فراغ» في الفترة الزمنية القادمة، دون الوصول إلى نتائج حاسمة وقطعية، ولو في الحد الأدنى بالنسبة للعناوين التفاوضية المطروحة.

وذلك لعدة أساب، أولها التعنت الإسرائيلي الرافض للنزول عند استحقاقات الشرعية الدولية قولاً وعملاً. وثانيها، أن بنيامين نتانياهو قد وضع اشتراطأً مسبقاً للعملية التفاوضية بقبول الطرف الفلسطيني لمبدأ «يهودية إسرائيل»، وقيام السلطة الفلسطينية بـ «تفكيك ومطاردة مجموعات قوى المقاومة».

وثالثها، فقدان التوازن في الدور الأميركي، ومراوحته عند تخوم الموقف الإسرائيلي في النظر لقضايا التسوية النهائية. فالرئيس أوباما انزلق في مسايرة التعنت الإسرائيلي، وتبنى عملياً شروط إسرائيل.

ورابعها، أن هناك شكوكاً قوية في قدرة الإدارة الديمقراطية الأميركية، على توجيه البوصلة صوب أزمة فلسطين، وهي الغارقة خارجياً في أوحال العراق وأفغانستان، وداخلياً في لملمة تداعيات الأزمة الاقتصادية وإصلاح برنامج الرعاية الصحية، على وقع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.

وخامسها، أن دول الاتحاد الأوروبي ما زالت واقعة في مربع التبعية للموقف الأميركي، ولم تستطع إلى الآن مغادرة المربع إياه.

ولهذه الأسباب مجتمعة، فإن آمال المتفائلين من إمكانية إنجاز وتحقيق اختراق تفاوضي على المسار الفلسطيني الإسرائيلي خلال الفترة القريبة القادمة، ستتبخر على أرض الواقع لتعود الأمور لنقطة الصفر.

كاتب فلسطيني ـ دمشق

bdwan60@aloola.sy