يثير الكلام عن الهوية الوطنية، إشكالية الإعلام الذي يمثل المنظومة التي تحفظ هذه الهوية وتؤرخ لها، والتي تنقلها من جيل إلى جيل. فإذا كان الإعلام يرتبط ارتباطا عضويا بمكونات الهوية الوطنية.
فإن مخرجاته تخدم دون أدنى شك هذه الهوية، وتعمل على صيانتها وتقويتها وتنميتها، في إطار التنمية المستدامة والحركة التي يعيشها المجتمع ضمن التحولات والتطورات العالمية.
أما إذا كانت المنظومة الإعلامية مهزومة وغير منتجة، مستقبلة ومستهلكة فقط، فإنها بدلا من المساهمة في الحفاظ على الهوية الوطنية وزرع مكوناتها في المجتمع، تتنصل من هذه المكونات وتفرز قيما وأفكارا ومعتقدات وسلوكيات، تتنافى وتتناقض وتتنافر مع كل ما هو وطني وقومي ومحلي.
وهذا ما يؤدي إلى ظاهرة الاغتراب والانسلاخ والذوبان في الآخر، وتقمص واقع وشخصية غريبة على واقع وشخصية الوطن والأمة.
وعلى حد قول «فرانتز فانون» في كتابه «أقنعة بيضاء وبشرات سوداء»، يلبس الفرد في ظل ظاهرة الاغتراب والانسلاخ أقنعة الآخر، ما يجعله تائها في عالم ازدواجية الأنا والشخصية والهوية، وفي النهاية يجد نفسه مثل اللقيط الذي لا يعرف له أصل ولا نسب.
في عالم يسوده الصراع على الصورة والرأي العام، تعاني دول وشعوب كثيرة من أزمة هوية، وفي عالم أصبح فيه الواقع الذي تقدمه الصناعات الإعلامية والثقافية.
واقعا مفبركا ومصطنعا بعيدا كل البعد عن الحقيقة وعن ما هو موجود في الحياة اليومية للشعوب والأمم، اختلطذت الأمور وامتزجت، وأصبح من الصعب، في أحيان كثيرة، على الفرد أن يفرق بين عديد الأمور والقضايا.
ففي زمن فرضت فيه العولمة منطقها على العالم، وتعرضت وتتعرض فيه الثقافات الوطنية والمحلية وخصوصيات الأمم والشعوب، إلى اختراقات ومضايقات وتشويه وتنميط من قبل الصناعات الثقافية والإعلامية العالمية.
تُطرح إشكالية الهوية الوطنية بقوة وحدة، لأن الأمر يتعلق بموضوع استراتيجي يهم كيان الأمة ووجودها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها.وتحسب دول العالم على اختلافها، ألف حساب لهذه المعضلة التي أصبحت تهدد كيان الأمة بأسرها.
الانفتاح على العالم سلوك حضاري ومبدأ لا بد منه، والتفاعل مع التكنولوجيا والعلوم وثورة المعلومات والمجتمع الرقمي أمر لا مفر منه؛ لأن الانغلاق على الذات يؤدي إلى عزلة قاتلة، قد تصد أبواب التطور وتقف حاجزا منيعا أمام التقدم والازدهار والتنمية.
لكن من جهة أخرى، يجب أن لا تذوب الأمة في الآخر وتصبح دون هوية ودون كيان يمسك وحدتها وبنيانها وخصوصيتها وثقافتها الوطنية. فالرسالة الإعلامية هي التي تقدمنا للآخر، وهي التي تتواصل وتتحاور مع الآخر وتقدمه لنا.
وإذا كانت الرسالة الإعلامية عاجزة عن تقديم من نحن وما هو رأينا وموقفنا مما يجري في العالم، وما هي خصوصيتنا والأشياء التي نتميز بها عن غيرنا ونختلف بها عن الآخرين، والاكتفاء فقط بتقديم الآخر بأفكاره ومنتجاته لنا.
فهذا يعني أننا سلمنا أنفسنا للآخر وانسحبنا من مجال الأفكار والقيم والمعتقدات والمبادئ. وهذا أمر خطير، لأنه يعني بكل بساطة أنه لا هوية لنا، كما يعني أننا تنصلنا من تاريخنا وماضينا وقيمنا ومبادئنا وعاداتنا.
الإعلام أداة استراتيجية لحماية الهوية الوطنية والتعبير عنها، فهو مطالب بالتفاعل الإيجابي مع كل ما هو محلي وأصيل، ومع مشكلات وهموم الشارع بكل موضوعية وبكل التزام ومسؤولية وبكل حرية، كما أنه مسؤول عن حماية المواطن دينيا وثقافيا وتاريخيا واجتماعيا وقيميا وأخلاقيا.
من خلال تزويده بالمادة الإعلامية والسياسية والثقافية الهادفة، التي تساعده في تكوين نفسه حتى يكون مواطنا صالحا مسؤولا، يعرف ما له وما عليه، ويعرف كيف يتفاعل بمسؤولية مع ما يصل إليه من منتجات إعلامية وثقافية من أنحاء العالم.
إنه من غير المنطقي والمعقول أن يعرف أولادنا نجوم الغناء والطرب في الغرب، ويجهلوا تاريخ آبائهم وأجدادهم، ويجهلوا مقومات الشخصية العربية الإسلامية وتاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
فالمتأمل في الفضائيات وشبكة الانترنيت والمنتجات الثقافية وغيرها من الوسائط الإعلامية العالمية، يلاحظ أنها تشكل خطرا على الهوية الوطنية.
والحل الوحيد هو تنشئة جيل مسؤول وواع، يعرف كيف يتفاعل مع هذه الوسائط، وكيف يأخذ منها ما يفيده ويبتعد عن المواد المشبوهة والتي تتنافى وتتناقض مع مبادئ وقيم المجتمع.
الأمر الثاني والأكثر أهمية، هو تقديم البديل والاستثمار في الصناعات الإعلامية والثقافية، فالجمهور بحاجة إلى بديل وإلى أخبار وبرامج ومواد ثقافية محلية، تعكس شخصيته وهويته واهتماماته وانشغالاته.
فالحفاظ على الهوية يتطلب استراتيجية واضحة المعالم، لنقل التراث التاريخي والحضاري والقيمي للأمة، في صيغ وقوالب تتماشى مع المجتمع الرقمي الذي نعيش فيه، والتطورات العلمية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع.
المجتمع الذي يتخلى عن لغته لاستعمال لغة الآخر والتفاخر بها، هو مجتمع يضع هويته في دائرة الخطر والانهيار والاضمحلال، وقد يتعرض إلى إزدواجية في الرؤى والاستراتيجيات والمصالح. فاللغة في حقيقة الأمر هي الهوية في المقام الأول.
والإعلام العربي يجب أن ينشر اللغة العربية ويحافظ على سلامتها ورونقها وجمالها. فالإعلام دون منازع، هو الآلية الأكثر تأثيرا وقوة في صناعة الهوية والتعبير عنها وعن معالمها وصيناتها ونشرها وبعثها والدفاع عنها.
إن المنظومة الإعلامية هي قوة فاعلة ومؤثرة في التعبير عن الهوية وتحديد ملامحها وتفاعلاتها ومقوماتها.
وإذا كانت المادة الإعلامية لا تستوفي شروط المنافسة والجودة والمصداقية، فإنها لا تستطيع المقاومة وبذلك تفشل في الحفاظ على الهوية الوطنية، بل ستفسح المجال لإضعافها وأفولها مع مرور الزمن.
وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى انفصام وازدواج الشخصية وانجراف وانحلال وذوبان في عالم الآخر، على حساب النسيج القيمي والأخلاقي والموروث الثقافي والاجتماعي.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة