لا يولد الناس وهم يحملون قيما معينة أو يتبعون أنماطا محددة في الحياة، أو يتبنوا فلسفة أفكار معينة للخلق والوجود. إن كل ذلك يتشكل عند الناس من خلال تجربتهم الحياتية الشخصية، كما أنها قيم تتشكل في إطار الفضاء الاجتماعي الثقافي الذي هم جزء منه، وهو الذي يجعل البعض منا منضبطا، مقابل الآخر المنفلت من القيود والضوابط.
لقد عَرف البحرينيون السيارة في وقت مبكر من القرن العشرين، فقد جاءت إليهم قبل أن يعرفهم النفط أو أن يتعرفوا عليه.
وقد حكمت علاقتهم بها منذ دخولها الأول، محدودية البنية الأساسية التي لم تكن مستعدة لاستقبالها، كما حكمتها طبيعة البناء الاجتماعي المحافظ الذي كانت سياقة السيارة فيه نوعا من العيب الاجتماعي فَاجتنبوها. فقيادة المرأة للسيارة لم تعرفها البحرين إلا في أواخر خمسينيات أو أوائل ستينيات القرن الماضي.
وبشكل عام، عُرف البحرينيون في الخليج بأنهم على قدر كبير من الانضباط والتقيُد بالضوابط المرورية.
فالزائر في السابق لهذه الجزيرة من الخليجيين أو المقيمين، يبدون إعجابهم بدرجة التزام البحرينيين بالضوابط المرورية، من حيث التقيُد بالإشارات الضوئية وتعليمات المرور، وفي قلة استخدامهم لمزمار (الهَرَنْ) السيارة، وفي خفض درجة صوت المذياع فيها، والسماح للمشاة بالعبور رغم عدم توفر إشارات لعبورهم في ذلك الوقت.
لكن هذه الحالة لم تبق طوال الوقت، فقد أصاب قدر مهم من التغير درجة التزام البعض منهم بالضوابط المرورية، بل يمكن القول إن قدرا من الارتداد قد أصاب هذا البعض.
أحد الإخوة الخليجيين علق على ما رآه في بعض شوارعنا بالقول «يخيل إليّ أني أسير في مدينة... أو مدينة... وليس في مدينة المنامة! فخلال عقد من الزمان حدث عندكم ارتداد عما عرفناه عنكم من ذوق رفيع وفن في السياقة.
فلم يعد البعض منكم ملتزما بتعليمات السير الأساسية. فالخروج على الإشارات الضوئية الحمراء بات بالنسبة للبعض منكم أمرا عاديا، ربما قد اعتاد على فعله يوميا». ويضيف صاحبي من الخليج قائلا «بل إن السير في الاتجاه المعاكس للسير لِقَصر المسافة، عمل اعتيادي بالنسبة للبعض».
ويستمر صاحبنا الخليجي قائلا «يبدو أن انتشار سيارات الدفع الرباعي (لكروزرات) قد شجع البعض منكم، كما هو حاصل عندنا، إما بتحويل الأرصفة وأطراف الشوارع وأماكن عبور المشاة، إلى مواقف أو شوارع إضافية عند اشتداد الازدحام.
بل إن التدافع بغرض السبق وتفادي طول الانتظار في ساعات الذروة بإقحام سياراتهم الضخمة عنوة في مقدمة الصف عند الدوارات وإشارات المرور، بات أمرا عاديا».. وهو الأمر الذي بات مسببا للكثير من الحوادث المرورية!
فالقيم المرورية عند البعض من البحرينيين أصابها قدر مهم من العطب، وهو عطب يحتاج لجهد كبير لإصلاحه، وهو جهد يبدأ بالفرد في البيت وفي المدرسة وفي مؤسسة العمل، ومن خلال الوسائط الإعلامية الإعلانية المختلفة، إلا أنه كذلك يحتاج لقدر من «الحزم».
وقد أقول لقدر مهم، بل شديد من «الحزم» في التعامل مع جنوح البعض المروري، وخروجهم عن الضوابط الحاكمة للسير في الشوارع.
إن هناك قدرا من الناس لم تعد الإشارات الضوئية الحمراء تعني له الوقوف، فهو في عجلة من أمره، وهي عجلة قد تؤدي بحياته وحياة الآخرين للخطر.
بل إن مواكب السيارات المتراصة المعطلة للسير لمناسبة خاصة أو عامة، قد بات أمرا شائعا منتشرا في أوساط الفئات الشبابية الجديدة في الفئة العمرية 18-35 سنة.
وهذا البعض يتعمد إقفال الشارع بترك سيارته لأداء غرض ما، أو لحديث خاص مع صديق في سيارة أخرى، غير مبالٍ بطابور من السيارات التي تزمجر خلفه..
وأعتقد أن شوارعنا باتت بحاجة لقدر كبير من الانضباط، وأن تجربة بعض من الدول الخليجية الأخرى في خفض حوادثها المرورية وخلق درجة من الالتزام بالضوابط والقيم المرورية، لم يأت إلا فقط من خلال «تغليظ» العقوبة والتشدد فيها.
فرفع قيمة الغرامة المالية المتعلقة «بقطع» الإشارة الضوئية الحمراء، أو السير في الاتجاه المعاكس، أو الوقوف في غير الأماكن المخصصة للوقوف، وتبني نظام النقاط المؤدية لسحب السيارة أو لسحب رخصة السياقة، قد شكلت عند البعض الرادع الأقوى في درجة انضباطه المروري.
وحتى لا نغالي في هذا الاتجاه، نقول إن قدرا مشتركا من الضوابط والتنشئة الثقافية والإعلامية، يمثل الحزمة التي من خلالها قد تتحسن القيم المرورية عند البعض.
خلاصة القول أننا بحاجة لقدر مهم من الانضباط في شوارعنا. هذا الانضباط الذي لا يمكن أن يأتي بحملة إعلانية أو إعلامية، وإنما بزرع هذه القيم عند الناس، فهي لا تأتي إلا من خلال مداخل الضبط والتنشئة الاجتماعية.
فالقيم الجديدة لا تنبت في الفرد بشكل تلقائي، إنما تأتي إليه من خلال مداخل المكافأة والاستحسان أو الخوف من الردع.
كاتب بحريني