يومان وتنطلق أعمال القمة العربية التي تستضيفها الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى على مدى يومين، كتقليد سنوي ودوري يتم خلاله مناقشة كافة القضايا والهموم والجراح التي تثخن الجسد العربي منذ عقود، ولا ريب أن هذه القمة تنعقد وسط تراكمات وجروح غائرة وخطيرة، تهدد وحدة الأمة العربية وتكاد تطيح بمفاصلها مفصلًا مفصلًا، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الأمني أو التعليمي أو الثقافي.

وعلى الرغم من هذا السيل العرم من هذه الهموم التي تسدل ظلالها على الوضع العربي العام، وإدراك العرب كافة (شعوبًا وقيادات) هذه الهموم والأوجاع، فإن المعالجات الضرورية وبلسمتها لا تزال بعيدة عن مستوى الطموح المطلوب، وتكاد تكون بعيدة المنال وعن ملامسة الآمال المبنية أو المتوخاة من القمم العربية، وذلك بسبب حالة التراخي والتكاسل والخور الذي أصاب الجسد العربي، حيث كل الوصفات التي يتفق عليها داخل قاعة انعقاد القمة عادة ما تكون متكاملة في وصف الدواء والأسلوب الحكيم في المعالجة، إلا أنه سرعان ما يصطدم صرفها والبدء بعملية العلاج بحالة عجيبة من القعود والتكاسل المصحوبين بصمت مطبق، الأمر الذي أعطى انطباعًا لدى المواطن العربي بعدم جدوى انعقاد مثل هذه القمم والحكم بعقمها، ما ولد لديه اهتزازًا في ثقته في قدرة القيادات العربية، وبالتالي أصبح لا يعيرها اهتمامًا ولا يعول عليها نتائج.

فعدم تفعيل قرارات القمم العربية السابقة، أعطت نتائج سلبية على جميع مستويات القضايا التي تهم الشأن العربي، ليس الجانب السياسي فحسب، وإنما كافة الجوانب الأخرى التي تمس قضايا التنمية والأمن والاستقرار والتعليم والصحة والثقافة والاقتصاد، فكانت النتيجة أن حدث فيها تراجع كبير في جميع الدول العربية تقريبًا، هذا التراجع وعدم فعالية القرارات أدى بدوره إلى إيصال الحال العربي إلى ما هو أسوأ.

ولعل القضية الفلسطينية التي تعد القضية المركزية بالنسبة للعرب وما يحدث في فلسطين من تغيير ديموغرافي وتراثي عربي وإسلامي ومسح هويتها ومعالمها العربية والإسلامية من قبل الاحتلال الإسرائيلي تأتي في طليعة المؤشرات على أن هناك حلقة مفقودة فيما يخص العمل العربي المشترك الذي يجب أن ينهض إلى مستوى الطموحات والمسؤوليات، فالاستخفاف الإسرائيلي بمشاعر العرب وحقوقهم الوطنية المقدسة، وعدم تجاوب المحتل الإسرائيلي لليد العربية الممدودة نحو السلام، بلغ مبلغه دون أن تظهر في الأفق أمارة تؤكد أن ثمة عملًا ما سوف يوقف هذا الاستخفاف حتى هذه اللحظة، ولذلك يتحتم على وزراء الخارجية العرب الذين سيبدأون اليوم اجتماعاتهم التحضيرية للقمة العربية، والذين سيجتمعون غدًا مع بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وضع خارطة طريق للعمل العربي المشترك تأخذ القضايا والتحديات التي تواجه الأمة العربية بعين الاعتبار وبروح المسؤولية,

ووضع الآليات الكفيلة بتحقيقها وتطبيقها، واستلهام التجارب التي خاضتها أمم غيرها في سبيل تحقيق وحدتها وتلمس الحلول لقضاياها بعيدًا عن الارتهان لأجنبي ماكر ومراوغ يسعى إلى تلبية مصالحه على حساب أمنها واقتصادها وأرضها وثرواتها، وبالنسبة لقضايا الأمة العربية فقد أثبتت التجارب والسنون والأيام أن تصور الحل يأتي من الخارج أو بيده الوصفة السحرية خطأ يعالج بخطأ أكبر منه.

فالأمة العربية بحاجة ماسة إلى تكامل سياسي واقتصادي وتعليمي وأمني حقيقي ليس على الورق أو منابر الإعلام تصدح به وسائله وتتغنى به دونما تطبيق فعلي تقوم به العقول والسواعد العربية، والانتباه إلى أنه إذا كان هناك خطأ أو فشل ما في المسار السياسي بالنسبة للعمل العربي المشترك، فيجب أن لا ينعكس ذلك سلبًا على القضايا الأخرى، لأن الاهتمام بقضايا التعليم والثقافة والتنمية وتحقيق التكامل حولها بالتأكيد سوف يكون له انعكاس إيجابي كبير وسيعمل على تصحيح المسار السياسي ومعالجة أي خطأ أو فشل حاصل.