لم يملّ الشعب العربي وحده من القمم العربية، بل ملّ منها القائمون عليها أيضاً مللَ الرماد من النار!
ولست وحدي من ترى أن القمة العربية بحاجة إلى قمة ـ أو قمم ـ عربية لتجعل منها قمة جوهرية، تنبذ الاختلافات البسيطة بين الإخوة، وتبتعد عن التفاصيل النابذة، لتدخل في حيز التآلف، فيتضح المفروض من اللقاء، وهو واضح أساساً، وأعني مصلحة الوطن العربي، لا مصلحة الأحاسيس الشخصية التي تسود بين البعض ممن عليهم أن يكونوا خارج شبكة الانفعالات وردات الفعل، من أجل اتخاذ القرارات المصيرية التي تمتد إلى المستقبل.
فمتى سيتقارب المتباعدون ليصلوا إلى إرادة عربية حقيقية لا تكتفي بالتظاهرات الصوتية، والمظاهرات الكلامية، والخطابات المتسابقة إلى المزيد من تضارب المصالح بدل توحيدها؟!
غالباً، في كل قمة، تطفو قضيتنا المحورية ـ فلسطين والقدس وأخواتها ـ على السطح، ومع كل قمة، يزداد الوضع سوءاً، وتزداد المافيا الصهيونية تعنتاً واغتصاباً، وتفنناً في ابتكارها لانزياح العالم إلى جهة أخرى، بعيدة عن هذه القضية التي لم نشتغل عليها عالمياً، بل نتداولها بيننا فقط، متناسين أن هناك، على الكرة الأرضية، أناساً آخرين، أغلبهم يجهل أين تقع فلسطين!
الكيان الصهيوني الإرهابي والمتعاضدون معه، يزيحون العالم بإعلامهم، ومخططاتهم، وأفعالهم الأخرى، إلى النووي المحرم على العرب والمسلمين، والمحلل لهم ولأمثالهم من المجرمين الدوليين، متناسين أن نوويهم أصيب بالعجز، وبحاجة إلى التخلص منه، وأن جواسيسهم القاتلة منتشرة في كل مكان، حتى في الموساد ذاته جواسيس من الموساد على الموساد!
فهل ستضع القمة العربية الحالية قضية الجاسوسية والحروب الالكترونية والتنصت الاستخباراتي المعادي، على قائمة أولوياتها التي نتوقع أن تشمل الاستيطان والتهويد وما يجري بين القدس وغزة وفي كل فلسطين؟ وهل سيتم توظيف الموقف الأميركي الحالي تجاه إسرائيل في سياقه المناسب؟ وهل سيفلح العرب في إزاحة العمى التاريخي الذي زرعه المجرمون عن أعين العالم؟!
ثم، إلى متى يحكم مبدأ «البيروسترويكا ـ الترقيعات» قممنا العربية؟!
لأننا أصبحنا البعيدين عن التفاهم والأهداف والغايات والأواصر التاريخية والحضارية والثقافية المشتركة التي تجمعنا، صارت قممنا تأتي بيروسترويكا على بيروسترويكا، والترقيع على الترقيع لا بد وأن يُنتج حالة ممزقة، فتتشتت العناصر، ويذهب ما يجمعنا في طريق بلا رجعة، ونواصل في طريقنا الهدم والانهدام بلا رجعة أيضاً!
منذ أول قمة عربية وإلى آخر قمة عربية ـ لا أقصد المنعقدة بالطبع ـ ونحن نحاول أن نرى قضايانا بعين واحدة، بينما العين الثانية ساهية عن كل عدو بيننا، حولنا، وفينا!
ما الجدوى من القمم إذا لم تحل (كل أو بعض) المشكلات والإشكاليات؟ وكيف من الممكن، ضمن الظروف الحالية، أن تفلح القمة؟
نتوقع أننا لن نفلح إلا إذا جعل كل منا نفسه عليه حسيباً، وعلى كل قمة أن تفعل ذلك لكي تصل إلى نقد ذاتها بموضوعية، عائدة بأثر رجعي إلى ما أنجزته، وهنا بالضبط، بإمكانها تحديد أولوياتها، أهدافها، وخطاباتها، ثم تتخذ منهجاً تنفيذياً متناسباً مع المرحلة في الزمان والمكان، لا تتوانى فيه جهود أي طرف عربي على التخطيط، والتنفيذ، واقتراح الخطط البديلة والاحتمالية للمستقبل، وكل ذلك بناء على الأبجديات الأولى للاستراتيجية المثقفة بالحوار، وتعزيز الثقة والتفاهم، واحترام أولويات الأمة العربية.
لا أعلم إلى أي درجة استفاد العدو من قرآننا الذي اتخذوه مهجوراً، فانقلبت الدلالات، وتحولت المفصلات، وتكسرت الواضحات: ؟كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة؟! وأظن الحالة مؤقتة، خاصة وأن الكيان المبني على الباطل منخور بالانهيار، ومتخم بالغدر، يقتات على دمائنا، وغيومنا، وأطفالنا.
فكم قمة عربية تحتاج القمة العربية كي لا نستجدي من الآخرين الوقوف معنا ودعم قضايانا؟!
كاتبة سورية