على ما يبدو أن مسار التسليم العربي لإسرائيل وأميركا، لن ينتهي في المدى القريب أو البعيد.. ومن وحي هذا التسليم الحالي، نضع بين يديك عزيزي القارئ ما يمكن أن يصل إليه الضعف العربي من تنازلات.

ورغم أن هذه الحالة ليس لها قاع، فإن ما نذكره الآن هو أقصى ما استطعنا أن نصل إليه من انهزامية وهوان، في ضوء اتفاقية سلام افتراضية بين إسرائيل والعرب.

في ضوء الاتفاقية الموقعة بين إسرائيل وجامعة الدول العربية، اتفق الطرفان على ما يلي:

القبول بالتطبيع الكامل بين كافة الدول العربية وإسرائيل دون شروط مسبقة من قبل الأولى، وفي ضوء ذلك تُفتح كافة الأسواق العربية أمام المنتجات الإسرائيلية التي تُعامل معاملة خاصة من قبل هذه الدول، وتكتسب دولة إسرائيل أفضلية في مسار العلاقات الاقتصادية بينها وبين الدول العربية الأخرى، تعويضا عن الحصار الذي فرضته عليها الأخيرة لمدة تجاوزت نصف القرن.

ومن الآن فصاعدا لن تقبل إسرائيل بأية علاقات سرية مع غيرها من الدول العربية، فكيف يليق بدولة كبرى تربطها علاقات قوية مع أكبر دول العالم، أن تقبل بعلاقات سرية مع دول المنطقة، فمن يريد علاقة ما بإسرائيل فلتكن على مرأى ومسمع من العالم.

يتم التطبيع دون أية شروط مسبقة تربط بين القبول به وبين المسألة الفلسطينية، التي يجب تركها لمشيئة الإسرائيليين وما يمليه الواقع الفعلي من تغيرات، ولا يجب أن تتعامل أي من الدول العربية مع الجماعات التي تقيم في كل من الضفة الغربية وغزة بوصفها دولة.

وفي حال حدوث ذلك يعتبر خرقا لهذه الاتفاقية (لا تعترف إسرائيل بوجود دولة فلسطينية، لكنها من باب الإنسانية تقبل بوجود الفلسطينيين كجماعات وافدة إلى المنطقة يصعب التخلص منها، وعلى العرب أن يقبلوا بذلك، ولا يحرفوا الثوابت الجغرافية والتاريخية للمنطقة).

عدم التدخل مستقبلا في المشكلات التي تنجم بين إسرائيل والفلسطينيين، فهذا شأن خاص بالدولة الإسرائيلية وبالجماعات الفلسطينية المختلفة. وفي هذا السياق يصبح أي دور فردي أو جمعي من قبل الدول العربية، تدخلا سافرا في السيادة الإسرائيلية سوف تترتب عليه عواقب وخيمة في المنطقة. ويمكن أن تقبل إسرائيل بتدخل بعض الأطراف العربية مستقبلا، كوسطاء في حل بعض المشكلات الناجمة، بعد تقييمها لطلب الوساطة وموافقتها عليه.

في ضوء ما سبق تصبح أية محاولة لمساعدة الجماعات الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو غزة، دون موافقة إسرائيل، بمثابة إعلان حرب ونقض لما اتفقت عليه الأطراف الموقعة على هذه الاتفاقية، فالمسؤول الأول والوحيد عن هذه الجماعات هو إسرائيل، ويجب على العرب أن يكفوا عن التدخل في شؤون ووضعية هذه الجماعات.

وفي ضوء ما سبق أيضا، يصبح الحديث عن القدس كعاصمة لدولة فلسطين المزعومة، مسألة عبثية ومخالفة لروح ونص الاتفاقية المبرمة بين إسرائيل والعرب، فالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، يحق بموجبها أن تهدم الأقصى وتبني مكانه هيكل سليمان.

وفي ضوء العلاقات الراسخة بين أميركا وإسرائيل التي استمرت لما يزيد على نصف قرن، يجب على العرب أن يتوقفوا تماما عن أية محاولة تهدف للوقيعة في ما بينهما، وفي مقابل ذلك تصبح إسرائيل هي وسيط العرب لدى أميركا بخصوص أية مشاكل تواجههم أو أية احتياجات تخصهم.

وقف كافة الحملات الإعلامية العربية على إسرائيل، وتشكيل لجنة مشتركة إسرائيلية عربية وظيفتها متابعة كافة أشكال الإعلام العربي المكتوب والمرئي، وتنقيته من أية توجهات عدائية لدولة إسرائيل.

وفي هذا الإطار تجب الإشادة ببعض قنوات الإعلام العربي التي بدأت هذا التوجه منذ فترة بعيدة، ولم تخدعها شعارات المقاومة والشهادة والوطنية، وغيرها من المفاهيم التي أدمنها الإعلام العربي الغوغائي لعقود طويلة.

وإذا كانت مسألة مواجهة الإعلام العربي مسألة ملحة لتأثيراتها المباشرة، فإنه يجب تشكيل لجنة أخرى مشتركة بين الجانبين، وظيفتها تنقية التعليم العربي في كافة مراحله من لغة المقاومة والتشهير بإسرائيل، والعمل على صياغة مقررات جديدة تشرف عليها اللجنة وتراعي مستجدات الواقع الجديدة، وعلى رأسها توقيع الاتفاقية الراهنة بين إسرائيل والدول العربية.

وفي ضوء تقدم إسرائيل العلمي على كافة دول المنطقة، يجب توجه الطلبة العرب إلى إسرائيل مستقبلا بديلا عن توجههم للدول الغربية البعيدة، بحيث تتولى إسرائيل تربيتهم العلمية، وإعادة صياغتهم الفكرية والأيديولوجية، من أجل خدمة المنطقة والتسريع بسلام حقيقي وعميق.

يحق لإسرائيل مستقبلا تعديل أي من بنود هذه الاتفاقية بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية وأمن المواطن الإسرائيلي، وفي المقابل لا يحق لأي من الأطراف العربية القيام بذلك دون الرجوع للجانب الإسرائيلي والحصول على موافقته، في ضوء ما يراه منسجما مع مصالح الدولة العبرية وأمن مواطنيها.

إن إسرائيل تؤكد في ضوء توقيعها على بنود هذه الاتفاقية، رغبتها الملحة في توطيد أركان السلام في المنطقة، وخلق مناخ جديد من الثقة بين الأطراف الموقعة عليها، من أجل صالح الأجيال الجديدة، ومن أجل تكريس قيم الحب والعدل والسلام. من هنا فإنها تتمنى أن تلتزم الأطراف الأخرى بما جاء في هذه الاتفاقية، وأن تعمل بها!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com