بات من الثابت أن غالبية أحزاب المعارضة في السودان، تطالب بتأجيل موعد الانتخابات المقرر أن تجرى في الحادي عشر من إبريل. وسواء صحت الأسباب والمبررات التي تستند إليها قيادات هذه الأحزاب أم لم تصح، فإن هناك في تقديري سبباً منطقيا وموضوعيا يبرر التأجيل، رغم أن الأحزاب المعارضة لم تأت على ذكره إطلاقا.

هذا السبب يتعلق بعملية الاستفتاء العام في الجنوب، التي بموجبها يقرر أهل الجنوب مصيرهم النهائي، إما بالبقاء ضمن الدولة السودانية الموحدة، أو الانفصال لكي تنشأ في الجنوب دولة مستقلة ذات سيادة، وذلك وفقاً لاتفاقية نيفاشا للسلام بين حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم و«الحركة الشعبية» الجنوبية.

سواء أسفرت عملية الاستفتاء عن فوز خيار الوحدة أو فوز خيار الانفصال، فإنه سوف ينشأ في أي من الحالين وضع جديد يتطلب تغييرا دستوريا جذريا.

الوضع الدستوري والسياسي السائد الآن، من حيث ارتكازه أساسا على شراكة سلطوية بين «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية»، هو وضع انتقالي مؤقت انبثق عن تطبيق اتفاقية نيفاشا. فقد تحولت بنود وثيقة الاتفاقية بأكملها إلى بنود دستورية. وسواء انتهى الاستفتاء إلى خيار استمرار الوحدة أو إلى خيار الانفصال، فإن هذا الوضع الانتقالي يفقد صلاحيته تلقائيا.

ماذا تكون الخطوة التالية إذن؟ الأمر واضح في حالة انفصال الجنوب.. فستكون هناك دولتان على كل منهما أن تضع لنفسها دستورا جديدا لمقابلة متطلبات السيادة والأجهزة الدستورية، لجنوب أصبح دولة مستقلة ولشمال لا علاقة له مع الجنوب.

وحتى في حالة استمرار الوحدة، فإن الأمر سوف يتطلب وضع دستور قومي جديد، يقوم على إلغاء حالة الاحتكار السلطوي الذي يتشارك في إطاره الدستوري الحالي حزبان فقط؛ حزب المؤتمر الوطني الشمالي، وحزب الحركة الشعبية الجنوبية.

في أي من الحالتين، سوف تتطلب مرحلة ما بعد الاستفتاء إجراء انتخابات عامة لإنشاء جمعية تأسيسية لتكلف بوضع دستور جديد، جمعية تأسيسية قومية في حالة السودان الموحد، أو جمعية تأسيسية لكل من دولتي الشمال والجنوب.

ماذا يعني ذلك؟ يعني إجراء عملية انتخابات عامة لمرتين خلال شهور فقط: انتخابات قبل الاستفتاء، وانتخابات بعد الاستفتاء.

العملية الانتخابية الأولى، هي تلك التي يقترب موعدها حاليا لتجرى في إبريل 2010. وبعد تسعة شهور فقط يحل موعد عملية الاستفتاء المقرر أن تجرى رسميا في يناير 2011، فتعقبها عملية انتخابية ثانية بعد الاستفتاء مباشرة.

هنا نطرح تساؤلا: لماذا لا يتم تعجيل موعد الاستفتاء مع تأجيل موعد الانتخابات العامة الوشيكة المزمع إجراؤها في إبريل؟

أحزاب المعارضة ترى أن تكون مدة تأجيل الانتخابات سبعة شهور، أي أن تجرى في نوفمبر 2010. لكن ربما يكون الرأي الأوفق هو أن يخصص هذا الموعد لإجراء عملية الاستفتاء، عوضا عن إجراء الانتخابات.

وهكذا يكون الأمر كالتالي: استفتاء في نوفمبر 2010. تعقبه انتخابات عامة، إما في دولة سودانية موحدة، أو في دولتين منفصلتين، بعد ستة شهور، مثلا. وبناء على هذا الترتيب، ستكون الانتخابات العامة لمرة واحدة عوضا عن مرتين.

خلال هذه الفترة، أي من الآن وحتى نوفمبر المقبل، وهي فترة تمتد لسبعة شهور، تعكف القيادات السياسية في الشمال والجنوب ـ بما فيها قيادات المعارضة ـ على بحث العوائق التي تعترض الطريق إلى الاستفتاء، للاتفاق على معالجتها. وفي مقدمة هذه العوائق ترسيم الخط الجغرافي الحدودي بين الشمال والجنوب، أي أين تنتهي حدود الشمال لتبدأ حدود الرقعة الجنوبية؟

وعلينا أن نستذكر أيضاً أن تغيير موعد إجراء الاستفتاء، يتطلب اتفاقا مسبقاً بين المؤتمر الوطني والحركة الجنوبية، باعتبارهما شريكا في اتفاقية نيفاشا للسلام. فتغيير الموعد يعني إجراء تعديل في بنود الاتفاقية، مما يتطلب توافقا بين الشريكين.

من ناحية أخرى، فإن تأجيل موعد الانتخابات العامة لمدى شهور طويلة، من شأنه أن يهيئ فترة زمنية كافية لكل من الحكومة وحركات التمرد الدارفورية، لمواصلة الجهود الحالية التي تجري بوساطة عربية وإفريقية ودولية، للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي.. بما يتيح لهذه الحركات المشاركة في الانتخابات.

لقد حققت جهود الوساطة نجاحا جزئيا، يتمثل في اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار بين الحكومة والحركتين الكبريين في دارفور «العدل والمساواة» و«التحرير والعدالة»، بما يهيئ لدخول الأطراف في مفاوضات جادة بشأن المسائل الجوهرية الخاصة بمصير الإقليم.

ولكن ليس في وسع الحركات أن تشارك في الانتخابات قبل أن تثمر المفاوضات نتائج ايجابية نهائية.. وبطبيعة الحال لن يكون من الممكن أن تتوصل الأطراف إلى الهدف المنشود المشترك، خلال المدى الزمني المتاح لحين حلول موعد الانتخابات بعد أيام فقط.

طلب تأجيل الانتخابات على صعيد المعارضة ربما يعني أنها لا تجد نفسها مهيأة للمنافسة، لكن هذا لا يعني أنه ليست هناك أسباب موضوعية تتطلب التأجيل.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae