تكتسي الانتخابات العراقية التي جرت مؤخراً وما ستفرزه من نتائج نهائية أهمية قصوى، ليس على الصعيد الداخلي فحسب، بل وأيضاً على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد أخذت الصورة تتضح رويداً رويداً مع تتابع ظهور النتائج الجزئية، كما تعلنها المفوضية العليا للانتخابات أولاً بأول، حيث التنافس الشديد بين قائمة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي وسلفه إياد علاوي.
ولعل أهمية هذه الانتخابات ونتائجها، هي أن السواد الأعظم من العراقيين وتنظيماتهم السياسية وقواهم الفاعلة قد شاركت فيها بفاعلية، ودعت أنصارها ومريديها للانخراط فيها، مما وسع القاعدة الشعبية للديمقراطية الوليدة وصلب عودها. وتحاور العراقيون، على مدى أكثر من شهر، بشكل حضاري واستمعوا إلى مرشحيهم وتبادلوا وجهات النظر معهم، ثم ذهبوا إلى صناديق الاقتراع ليصوتوا بشكل حر وسري لمن رأوا فيه الخير والكفاءة لتمثيلهم.
ويبدو من النتائج الجزئية التي بين أيدينا، أن العراقيين يظهرون توجهاً قوياً نحو رفض التقوقع الطائفي والاحتراب المذهبي الذي ابتلوا به في العامين 2004 و2005.
وأنهم يتطلعون إلى بناء عراق وطني يُقيّم فيه المواطن على أساس كفاءته وإنجازه، وليس على أساس طائفته ومذهبه. وشكلت هذه الرؤية انعطافة سياسية التقطتها حتى التنظيمات والأحزاب الطائفية، لتنوع من تشكيلة قوائمها بحيث تعكس النسيج الاجتماعي العراقي المتباين.
ومع ميل قوي نحو رفض الطائفية، ثمة ميل آخر ملازم، وهو التوجه الجديد نحو العلمانية وإدراك لأهميتها لبلد كالعراق، يتكون من مذاهب وأديان لا سبيل إلى فرض نظام «الدولة الدينية» عليه، والتي هي قوام دعوة الأحزاب الدينية الرئيسية فيه، الشيعية منها والسنية.
فالعلمانية كما هو معروف ليست إبعاداً للدين عن المجتمع (كما يحاول المتشددون تشويه فكرتها)، بقدر ما هي إبعاد للرموز الدينية عن أجهزة الدولة لتكون ممثلة للجميع.
وينظر الإقليم بتوجس نحو نتائج هذه الانتخابات، فالعراق دولة مركزية في محيطه الشرق أوسطي عموماً، والعربي بوجه خاص. ذلك أن استقراره سيفتح المجال لازدهار اقتصادي في المنطقة، إذ هو بحاجة إلى تجديد بنيته التحتية المتهالكة التي خربتها سنوات الحروب والحصار والتدمير الطويلة، مما سيفتح الباب واسعاً أمام حركة إعمار نشطة، سيكون نصيب الأسد فيها لشركات الدول المجاورة، وعلى رأسها دول الخليج العربي.
والقوى الرئيسية في المنطقة تراقب تلك النتائج، فوق ذلك لاعتبارات جيوسياسية، فإيران كانت الرابح الأكبر من إزاحة نظام صدام حسين، خاصة وأن حلفاءها موجودون بقوة في السلطة الجديدة، وهي بالقطع لا تريد فقدان هذا الوضع.
وتركيا عينها على الأكراد وتحركاتهم، وخشيتها من أن يمثل ما هو موجود في شمال العراق نموذجاً لأكرادها. وتختلف الدول العربية في النظر إلى المسألة العراقية، وهي تتمنى مجيء حكومة متوازنة تجمع كل أطياف الشعب العراقي، بحيث يعود العراق إلى محيطه العربي.
ولعل الكويت هي من أكثر دول الإقليم اهتماماً بما يجري في العراق، متمنية أن تكون الصفحة القديمة قد طويت بمآسيها، آملة أن صفحة جديدة قد فتحت، بحيث تستطيع الحكومة المنتخبة القادمة إنهاء جميع ما تبقى من ملفات، بروح الأخوة والجوار والمصالح المشتركة.
ولا يخفى على الجميع أن في الكويت نقاشاً حراً حول العلاقة مع العراق، وبالذات في ما يتعلق بالديون المستحقة، حيث تميل الحكومة إلي حل مسألة الديون بإلغائها، في حين يطالب الكثير من أعضاء مجلس الأمة (كما فعلوا مؤخراً بالبيان الذي أصدروه) للمطالبة بها.
ولا شك أن العالم أنظاره شاخصة أيضاً لما ستؤول إليه نتائج الانتخابات، التي هي في المراحل الأخيرة من الفرز، وعلى رأس هؤلاء بالطبع الولايات المتحدة الأميركية. فاستقرار العراق بالنسبة للدول الكبيرة، يعني تسابقاً محموماً للمشاركة في إعادة الإعمار، بعد أن تسابقت كبريات شركاتها النفطية لنيل عقود التنقيب فيه.
أما للولايات المتحدة، فإن نجاح الانتخابات ومجيء حكومة مستقرة، يعني أن مشروع «بوش» لزرع الديمقراطية في الشرق الأوسط قد أتى أكله، وإن كان لا أحد في الإدارة الجديدة يريد تكراره في أي مكان في العالم!
والأهم من ذلك، هو أن استقرار العراق ونجاح العلمية السياسية فيه، يعني تسارع انسحاب القوات الأميركية منه، وإن كنا نسمع في الآونة الأخيرة (خاصة تصريح باتريوس) كلاماً حول الحاجة لبقاء تلك القوات لمزيد من الوقت.
وربما يكون النفط من أهم ما يثير اهتمام الولايات المتحدة بالعراق وبنوعية الحكومة التي ستتشكل فيه، فالعراق يرقد على واحد من أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، والذي يقدر بأكثر من 100 مليار برميل.
وتشير المعطيات الأميركية إلى أن إنتاج النفط العراقي سيقارب العشرة ملايين برميل، علماً بأن الطلب العالمي يتزايد على النفط، للنمو الكبير الذي تحققه كل من الصين والهند، مع تناقص في الاحتياطيات النفطية في العالم بشكل عام.
ولا شك أن مستقبل العراق قرار في يد أهله، الذين قالوا كلمتهم عبر صناديق الاقتراع، والذين ارتضوا العملية الديمقراطية وما تحمله من نتائج، وآمنوا بالتداول السلمي للسلطة، وهم يتوقون للعيش بأمن وأمان وبحياة كريمة، ويتطلعون إلى رغد العيش، شأن جيرانهم في دول الخليج العربي.
كاتب كويتي
