في الوقت الذي بدأ فيه المبعوث الاميركي جورج ميتشل جولته في المنطقة واجتمع مع الرئيس محمود عباس امس في محاولة جديدة لاحياء مفاوضات السلام التي سدت اسرائيل كل الطرق المؤدية اليها كانت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون تطلق امام مؤتمر "ايباك" سلسلة من التصريحات المؤيدة لاسرائيل حيث اكدت مجددا على التزام الولايات المتحدة بأمن اسرائيل ومستقبلها وهو الالتزام الذي وصفته بأنه "صلب صلابة الصخر" وأن اميركا في عهد اوباما ضاعفت جهودها لضمان تفوق اسرائيل العسكري النوعي في الشرق الاوسط وتقديم مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار بزيادة ٢٧٥ مليون دولار عن العام الماضي لاسرائيل وستزيدها العام المقبل.

ثم استعرضت كلينتون بتفاخر امام المؤتمر كيف وقفت واشنطن بصلابة ضد تقرير غولدستون الذي ادان ممارسات اسرائيل في عدوانها على قطاع غزة وهو العدوان المدمر الذي ازهق ارواح اكثر من الف واربعمائة شهيد فلسطيني معظمهم من النساء والاطفال، وصفته بأنه «دفاع عن النفس»، وقبل ذلك كيف وقفت اميركا إلى جانب اسرائيل في مؤتمر ديرين - جنوب افريقيا -.

ثم انتقلت كلينتون لتطالب الفلسطينيين بأنه "يجب اطلاق سراح جلعاد شاليط فورا». وبعد كل ذلك وعند حديثها عن الاستيطان اشارت إلى ان "البناء الجديد في القدس الشرقية او الضفة الغربية يقوض الثقة المتبادلة ويعرض للخطر المحادثات غير المباشرة ويقوض قدرة اميركا على لعب دور اساسي في عملية السلام". وبالطبع فان كلينتون تجاهلت حقيقة أن الاستيطان غير شرعي وتجاهلت حقيقة أن هذا الاستيطان يسد الطريق امام قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وبالطبع لم تنس كلينتون ان تتهم الفلسطينيين بما اسمته «التحريض على العنف» فيما يتعلق بـ «كنيس الخراب» الذي اقامته اسرائيل على جزء من الاراضي المحتلة بشكل غير شرعي، وهو اتهام لا اساس له وكان الأجدر بكلينتون أن توجه انتقادها لاسرائيل ليس فقط بسبب كنيس الخراب وانما ايضا وبالاساس بسبب ما تقوم به من اعتداءات تمس الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة وبسبب ما تقوم به من انتهاكات فظة للقانون الدولي وفي مقدمتها تغيير طابع المدينة ومحاولة تهويدها وانتهاج سياسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين ابناء المدينة المقدسة.

هذه المواقف المنحازة لاسرائيل التي عبرت عنها كلينتون امس لا تتناسب مع المهمة التي يقوم بها المبعوث ميتشل ولا مع «الدور الاساسي» الذي تطالب كلينتون بضرورة قيام الولايات المتحدة به فيما يخص عملية السلام، ويشكل مؤشرا جديدا على فشل الجهود الاميركية الحالية طالما أن واشنطن تواصل غض الطرف عن هذا الكم الهائل والانتهاكات الاسرائيلية وتلاحق الفلسطينيين عندما يدافعون عن حقوقهم ومقدساتهم في المدينة المقدسة وطالما لم تعالج الولايات المتحدة السبب الرئيس للصراع وهو الاحتلال الاسرائيلي غير المشروع ولا تنتهج آلية جديدة بالتعاون مع المجتمع الدولي حتى لا تدخل دوامة جديدة من الامور الاجرائية من شروط للمفاوضات غير المباشرة تمهيدا للمفاوضات المباشرة..الخ من نفس الدوامة التي سبق وان كنا بها لسنوات طويلة.

إن ما يجب أن يقال ان انقاذ عملية السلام واطلاق مفاوضات جادة يتطلب من الولايات المتحدة اولا الزام اسرائيل بوقف استيطانها واعتداءاتها، المتواصلة والزامها بانهاء احتلالها لكامل الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧ والتي يفترض ان تقام عليها الدولة المستقلة بما فيها القدس العربية المحتلة. ودون موقف اميركي جاد يدفع بالتعاون مع المجتمع الدولي وعلى اساس قرارات الشرعية الدولية بهذا الاتجاه فان ما يسمى جهود السلام ستبقى في اطار محاولات كسب الوقت لصالح اسرائيل التي تمضي قدما في تنفيذ مخططاتها الاستيطانية غير عائبة بالانتقادات الخجولة الاميركية والاوروبية. والسؤال الذي يتوجب على كلينتون والادارة الاميركية واوروبا الاجابة عليه هو: منذ متى يتم منح المحتل الحق في فرض الشروط والاملاءات. ومنذ متى كان تحقيق السلام والامن في منطقة ما في العالم رهينة بايدي قوة احتلال غير شرعي؟