أشعلت الدوحة شمعة في الظلام من خلال احتضانها المنتدى التأسيسي لإعلان المبادرة العربية لبناء القدرات الوطنية العاملة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر بالدول العربية، الذي عقد برعاية كريمة من حضرة صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند حرم حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى. إن التوصيات الختامية للمنتدى التي من المفترض أن تبادر الدول العربية والمنظمات والمؤسسات المعنية لتطبيقها والأخذ بها كانت عملية وفعالة وبحجم خطورة هذه الظاهرة - ظاهرة الاتجار بالبشر - التي برزت في العالم المعاصر في السنوات الأخيرة كواحد من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات البشرية، وتعمل على تهديد كيانها وأمنها واستقرارها، بعد أن توسعت وامتدت آثارها إلى الدول الفقيرة والنامية والغنية على حد سواء.

لعل أبرز التوصيات الختامية للمنتدى والتي تخاطب لب المشكلة وتحمي كرامة الإنسان تمثلت بما أوصى به المنتدى ضرورة عدم كشف أسماء ضحايا الاتجار بالبشر لوسائل الإعلام أو الجمهور، ومراعاة السرية أثناء التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بهم، ووضع إجراءات فعالة لحماية الشهود على وقائع الاتجار بالبشر، فضلاً عن التوصية بسن تشريعات تعفي ضحايا الاتجار بالبشر من المسؤولية الجنائية فيما يتعلق بتجارة الجنس والعمل دون ترخيص والإقامة غير المشروعة إذا ارتكبت نتيجة لجريمة من جرائم الاتجار بالبشر. وضرورة إسراع الدول بمواءمة تشريعاتها الوطنية مع أحكام الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمنع الاتجار بالبشر وبإصدار قانون خاص لمكافحة الاتجار بالبشر في الدول العربية التي لم يصدر فيها هذا القانون.

إن المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تلزم الجميع القيام بالدور المطلوب في مواجهة هذه الظاهرة والتصدي الموضوعي والحازم لمواجهتها ومعالجة الآثار والتداعيات الناجمة عنها، وضرورة تعميق الوعي المجتمعي لنبذها ومحاربتها بكل الوسائل والسبل الممكنة، كونها تشكل انتهاكاً صريحاً للتعاليم الدينية ولحقوق الإنسان وتجاوزاً لحريته وكرامته.

إن احتضان الدوحة لهذا المنتدى أكد الدور الإنساني الذي تقوم به دولة قطر في دعم المشاريع التي ترمي إلى الارتقاء بالإنسان والنهوض بالمجتمع واستنادا إلى المبادئ والقيم التي تؤمن بها الدولة والتي نص عليها دستورها الدائم، والتوجيهات السامية لحضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، التي تؤكد بمجملها قيام المجتمع على دعامات الحرية والعدل والمساواة والإحسان ومكارم الأخلاق واحترام مكانة الإنسان وإعلاء شأنه وحماية حريته وحقوقه لكونه الهدف الأسمى والغاية العظمى في مجمل خطط ومشروعات التنمية المستدامة.