على أطلال غزة وقف (بان كيمون) على مشهد الدمار، يتعاطف مع الواقع الفلسطيني لكنه لم يتحدث عن إدانة إسرائيل، وهي الصيغة التوافقية بين واجب الوظيفة ودبلوماسية الأمين العام، وربما أن موقفه الوسطي ذكرّه بكيف ذهب غيره من الأمناء السابقين بالقتل وعدم الترشيح، أو خلق المشاكل لمن ينتقد أو يتطاول على إسرائيل المحروسة من أكثر أعضاء مجلس الأمن..
نتنياهو على العكس، إذ إنه داخل القلعة الأميركية استطاع أن يتحدِى ويقول «إن القدس ليست مستعمرة بل عاصمتنا الأبدية» وهذا الموقف لا ينطلق فقط من كلمات جوفاء، بل يستند إلى قوة موازية لسلطة الحكومة الأمريكية، وما تمتلكه كأدوات ضغط من إعلام وبيوت مال وجامعات وشركات وأعضاء في الكونغرس، ما يجعل أي رئيس يريد الدخول في خلاف مع إسرائيل لا بد أن يأخذ كافة الاحتياطات حتى لا يقع في المحظور، أو في شبكة علاقات متصدعة حتى داخل حكومته..
لنكن موضوعيين، وأن لا نصدق أي قادم، أو خارج عن البيت الأبيض في أنه سيوجد حلاً للسلام إلا بتنازلات وضغوط تجبر العرب والفلسطينيين على التسليم بالأمر الواقع، لأن إسرائيل-حسب رؤيتهم- كيان له الحق بالتصرف بحقوق الفلسطينيين طالما الأرض في ملكيتهم تاريخيا، وهي ملكية تحميها دساتير الدول ووعود رؤسائهم لتثبيتها كحقيقة، والحل لا يكمن باستجداء موقف أوروبي وأمريكي، أو أمل بتعاطف قوى أخرى مثل الصين وروسيا، إذ كل أصحاب الحقوق القانونية لا يدافعون عنها بالمصادر الفقهية، خصوصا وأن الأمر يستدعي إيجاد البديل سواء بالمقاومة أو إيجاد الجبهة الواحدة عربية وإسلامية باتخاذ إجراءات ضاغطة تؤدي إلى احترام حقوق هذا العالم الكبير، غير أن الحقيقة جاءت عكس ذلك، فالجبهة الفلسطينية تصدعت، وأخذ العرب أسلوب الاستنكار والركض خلف الأبواب المغلقة..
إسرائيل تقول وتفعل ولديها خطط طويلة ليس فقط لاحتلال كل الأرض الفلسطينية، وإنما جعل المنطقة ولاية تديرها بشراكة مع تحالف دولي مستغلة وجود العرب مجرد شعب بلا قوة أو نفوذ على كيانهم الممتد من الأطلسي إلى الخليج العربي، ونعرف أنه من صميم تأسيس الدولة الإسرائيلية قولها"" إن دولتها تمتد من النيل إلى الفرات"، وقد دخلنا في حروب معها خسرناها، وقاطعناها ثم عدنا نفتح لها مدننا وأسواقنا دبلوماسياً وتجارياً، بمعنى أنها حقيقة ثابتة في صلب القانون الدولي، والقول بزوالها أو هزيمتها عبث يجب أن يقف، لأن الواقع لا يؤكد عليه، بل هي أحلام مخدرة للشعوب، وهنا لابد من طرح بعد إسرائيل من زاوية ما سنفعل، لا ما نتمنى..
فالعرب بلا قوة عسكرية، ولا اقتصادية، تمثل الستار لهم، ومشروعهم القومي يظهر نجاحه بمؤتمرات القمة، والاتفاقات التجارية والأمنية، ومراكز البحوث، والحدود المفتوحة وغيرها والتي ظلت مجرد سراب في صحاريهم، في الوقت الذي تبني إسرائيل فيه قوة المستقبل ليس فقط بما تحوزه من أسلحة نووية وتقليدية، بل ببروزها على الساحة العالمية بنشاطها العلمي المتفوق على كل العالم الإسلامي، وهي أسلحة جعلت حتى من كانوا يختلفون معها يطلبون ودها، بينما على قائمة البلدان الأسوأ في التقدم الاقتصادي والحريات العامة يقع العرب في الدرجات التحتية من أي تصنيف وبالتالي؛ بأي سلاح سنحارب إسرائيل ليحترمنا العالم ؟!.
