لا شك أن البشرية خطت خطوات مهمة على مختلف الأصعدة المتصلة بحياة الناس، وأصبحت معطيات الحضارة كمارد الفانوس السحري، تقول للإنسان لبيك في كل لحظة.

وعلى التوازي من ذلك، بل وأهم منه في مقاييس التعامل بين البشر، كانت القفزات الكبيرة في مجال حقوق الإنسان، والحرص الحثيث على سن كل ما يضمن تأمينها والحفاظ عليها.

وإذا كانت المنظمات المختصة تتنادى كل حين لتأكيد هذه المبادئ وتعزيزها، فذلك لأن قيمة الإنسان فوق جميع معطيات الحضارة، وحماية المكتسبات الإنسانية، أولى من صيانة المكتسبات الحياتية التي ما كانت ولا وجدت إلا لخدمة الإنسان؛ مطلق الإنسان.

ونقول مطلق الإنسان، لأنه تكريم مطلق في الزمان والمكان، لا تمييز في الحقوق الأساسية له بين مختلف ألوان البشر وعقائدهم وانتماءاتهم ومنشئهم.

وما أثار هذا الحديث هو التأكيد على مكانة حقوق الإنسان في الإمارات، وأنها جزء لا يتجزأ من أصالتنا التي نفخر بأننا عرفناها وآمنا بها، قبل أن نعرف المكتسبات الحضارية، ونحن أشد إيماناً وحفاظاً عليها بعد أن عشنا تفاصيلها في حياتنا اليومية ومعاشنا، وبعد أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من وجودنا.

فالبلد الذي يفتح قلبه قبل أبوابه لاحتضان أكثر من مئتي جنسية، على اختلاف ألوانهم وعقائدهم ومبادئهم، في لوحة موزاييكية مبدعة ومنظمة، يتقن بلا شك فلسفة حقوق الإنسان، ويعلم كيف تتم صيانتها وإحلالها على القريب والبعيد، ويحرص كل الحرص على أن تكون ثقافة حقوق الإنسان فوق كل الثقافات وكل المكتسبات.

والبلد الذي تجعل قيادته الرشيدة أول أهدافها البناء في الإنسان، يعلم أهله معنى هذا المبدأ، ويدركون أبعاد حرص أولي الأمر على تكريس هذه الأفكار، في نفوس كل من عاش على أرض الوطن أو تنسم هواءه ضيفاً كان أو مقيماً، من أبناء البلد أو من زواره.

والحقيقة التي نفخر بها، أن ممارسات حقوق الإنسان في الإمارات، فضلاً عن أنها تتماشى مع القوانين الدولية المتعلقة بها، فإنها تحافظ على تقاليد الدولة ونهجها الإسلامي.

ذلك أن احترام الإمارات لحقوق الإنسان، نابع من قيم الإمارات العميقة التي تولي تلك الحقوق القدر الأكبر من الاهتمام، حيث تحقق الإمارات العدالة الاجتماعية لكل مواطنيها والمقيمين على أرضها، وتضمن أمنهم وسلامتهم.

وليس بخافٍ على أحد تلك القفزات الحضارية الكبيرة التي حدثت في الإمارات، والتي تصب في تعزيز حقوق الإنسان في شتى المجالات، بدءاً من التعليم وحقوق المرأة ورعاية الأطفال والرعاية الاجتماعية.

ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وتوفير الإسكان بالمجان أو بإعانة، وتوفير الإعانات الاجتماعية لمختلف قطاعات المجتمع، مثل المطلقات والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة.

وتفعيلاً لهذا المبدأ، حرصت الدولة على سن القوانين وأخذ المبادرات الكفيلة برعاية هذه الحقوق، من مثل استحداث أقسام إضافية في ديوان عام وزارة الخارجية، وتدريب الكوادر الإدارية والخبراء التابعين لهذه المكاتب.

وإنشاء إدارة لحقوق الإنسان في وزارة الداخلية تضم موظفين حقوقيين من أصحاب الخبرة في مجال حقوق الإنسان، إضافة إلى إنشاء مراكز خاصة بضحايا الاتجار بالبشر، ومراكز خاصة لمعالجة العنف الأسري والدعم الاجتماعي.

مثل مركز إيواء النساء والأطفال في أبوظبي، ومركز الدعم الاجتماعي في أبوظبي، ومجلس الأمومة والطفولة في دبي، وهيئة تنمية المجتمع في دبي، ومؤسسة دبي الخيرية لرعاية النساء والأطفال في دبي، والمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، وإنشاء المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في رئاسة الاتحاد النسائي وبالتعاون مع منظمة اليونيسيف.

أما عن حقوق العمال المتصلة بهذا الشأن، والتي يتناولها بعض الألسن أحياناً من جانب التقصير أو عدم المراعاة الكافية، فنقول لمن لا يعلم ذلك، إنها قبل أن تكون توصية عالمية فهي عندنا ثقافة أخلاقية، يفرضها علينا ديننا وتحضنا عليها تقاليدنا وأصولنا التي نفخر بها.

ولا أدل على ذلك من سيل التشريعات العمالية التي تكفل حقوق العمال، والتي شهدت تطوراً خلال الأعوام القليلة الماضية، وحرص دولة الإمارات المتواصل على تطوير هذه التشريعات.

ويتصل بهذا الشأن أيضاً، ما حققته المرأة في الإمارات من مكاسب، وما حصلت عليه من حقوق، حيث وصلت إلى أعلى المراكز القيادية، وأصبحت ممثلة في كافة المجالس الاتحادية والمحلية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الاتحادي، ولا تزال كل يوم تحوز على منجز جديد ومكسب مميز يحقق الوجه المشرق للاعتداد بحقوق الإنسان.

هذا الذي نقوله ونفخر به ويعلمه المنصفون، يجعلنا نجزم بأننا في مصاف الكثير من الدول التي ترعى حقوق الإنسان، وسنظل حريصين على تطوير هذا المنجز الحضاري، بما يضمن تأصيله في ثقافة الجيل الجديد، وبما يتماشى مع خصوصياتنا وموروثنا ومبادئنا الأخلاقية..

ونقول «يعلمه المنصفون»، لأنه لا بد لكل ناجح من أعداء يتلمسون الهفوات التي لا يخلو منها مجتمع، وينفخون فيها لتكون في نظرهم معضلة إنسانية!

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

noraalswidi@yahoo.com