دقّت ساعة الحسم على ما يبدو فيما يخص لعبة الشد والجذب القائمة في المنطقة، وبتنا قاب قوسين أو أدنى من مرحلة تحديد الخيارات الصعبة، وأوّلها احتمال اندلاع مواجهة حقيقية شاملة، سيكون عنوانها الرئيسي فرض معادلة جديدة تنسحب تبعاتها على كل تفرعات الصراع..

من إيران إلى فلسطين.

وأقول إن ذلك يبقى احتمالاً، بالنظر إلى حركة الاتصالات المحمومة القائمة على أكثر من جبهة. فإما أن يبقى ذلك الاحتمال ماثلاً على الجو العام مع ظلاله القاتمة، أو ينتقل إلى مرحلة الحسم الواقعي مع كل ما قد يترتب على ذلك من آثار مدمّرة.

لكن مع بروز الخيارين المذكورين، أي احتمال المواجهة أو بقاء الستاتيكو ـ الوضع الذي يراوح مكانه، نجد أنفسنا حيارى فيما يخص الفرص المتاحة لتحقيق الاختراق الموعود في ذلك الحسم، بسبب عدم توفر قراءة ملموسة بخصوص المدى الذي ستكون الأطراف المعنية مستعدة للذهاب إليه، في حال توفرت الظروف الموضوعية لتلك المواجهة.

والمقصود بذلك، الجانب العربي ـ الإيراني الذي يصنّف نفسه في خانة الدول الممانعة، والذي لا ندري إن كان سيتجرأ أخيراً على التقاط قفّاز التحدي الذي ترميه في وجهه إسرائيل بشكل شبه يومي، إن كان من خلال مواقفها السياسية وإصرارها على الثبات الدائم في الأداء والممارسة، أو عبر تصرفات آلتها الدينية الممعنة في طموحها الجامح لتكريس جذورها في أرض المنطقة.

ولكي لا نكون مبالغين في التحليل، نقول ان المحور العربي ـ الإيراني المواجه لا يظهر منه في الوقت الراهن غير سوريا وإيران، بالإضافة لحركتي المقاومة في لبنان وفلسطين المدعومتين روحياً ومعنوياً ومادياً من البلدين.

ومن الصعب حالياً تصور وجود دعم عربي شامل لأية مواجهة عسكرية، لأن ما تبقى من العالم العربي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة محاور أساسية، متباعدة الانتماء والتوجّه السياسي: أوّلها مكبّل بالتزاماته في أحكام الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل.

وثانيها غارق في تفاصيل ترفه السياسي المحلي، وبالتالي لا يتعامل مع الموضوع القومي الأشمل إلا من خلال التزامه الخجول المحدد بضوابط مختلفة. أما ثالثها فغير آبه على الإطلاق بما يجري على صعيد المواجهة الاستراتيجية أو الجيوسياسية.

وهذا أمر لا يحتاج لعناء تفكير أبداً، حيث تكفي نظرة تقييمية سريعة لحالة الأمة العربية من أقصاها لأقصاها، ومقارنتها بوضع غريمها الأول في الوقت الحاضر، أي إسرائيل، لكي يصاب المرء بخيبة أمل كبيرة.

ولا نسمح لأنفسنا بأن نستعرض الفوارق التي قد تكون حتماً هائلة فيما يخص القدرات العسكرية لكل طرف، فذلك يبقى دائماً في إطار التخمينات غير الدقيقة وضمن التكتيكات المختلفة التي يتبعها كلّ طرف.

ولا يغيّر في واقع الحال أن يستعرض هذا الطرف عضلاته بين وقت وآخر، لأن ذلك يدخل في إطار الردع النفسي الذي تلجأ إليه الدول بين الحين والآخر.

على الصعيد الاقتصادي، حدّث ولا حرج. فلا أظن أن أي عاقل سيتجرأ على إجراء حالة مقارنة، ولو من باب الدراسة التحليلية فقط، بين اقتصادات الدول العربية والاقتصاد الإسرائيلي.

فالأول يتأرجح بين حالة التقوقع من جهة والتخلف من جهة أخرى، رغم وجود استثناءات مشرقة في بعض الدول والمناطق، والثاني تمكّن (لأسباب مختلفة لا مجال لتعديدها) من أن يحتل موقعاً بارزاً بين اقتصادات الدول المتقدمة في أكثر من مجال، لاسيما في المجالات الصناعية والتصديرية.

ورغم اختلافنا مع إيران بخصوص بعض سياساتها، إلا أنه يجب الاعتراف بالجهود البارزة والحثيثة التي تبذلها هذه الدولة لإثبات نفسها على الصعيد الاقتصادي والعلمي الدولي، وهي جهود محمودة إذا بقيت ضمن الإطار العلمي السلمي، ويمكن في هذه الحالة أن تكون رافداً علمياً ومعنوياً لدعم الدول العربية في المستقبل.

أما التضامن العربي على الصعيد السياسي، فما زال حلماً تزاحمه الكوابيس كل يوم. وتكفي نظرة سريعة قبيل انعقاد القمة العربية المقبلة، لاستشراف طبيعة المرحلة القائمة، الخالية كلياً من أي مؤشر ملموس على الشعور بضرورة تحقيق التضامن المنشود.

ناهيك عن أن القوى السياسية العربية تبدو متضاربة في ما بينها، وبالتالي غير قادرة على أن تنتقل من حالة التضامن العاطفي العابر، في بعض الأحيان، إلى حالة التضامن الفعلي الذي قد يجنب الأمة من أن تتذوق مجدداً طعم الهزيمة في أية مواجهة مقبلة.

الدول العربية، عشية القمة، منشغلة في هموم ومشكلات اليمن، وصراعات السودان، وانقلابات وانتخابات موريتانيا، وتفجرات الوضع في العراق الذي تبدو فيه حالياً تجربة ديمقراطية غير مكتملة المعالم.

فضلاً عن الأوضاع المتردية في الصومال... بل وحتى في طريقة توجيه الدعوات لحضور أعمال القمة!

إنها حالة التشرذم السائدة في أرجاء الوطن الكبير، والذي لم يعد يتّسع لأبنائه الهاربين من مرارة الواقع وصعوبة العيش، ولم يعد بالتالي قادراً على احتضان مشروع نهضوي شامل، لمجاراة التطور القائم على الصعيد العالمي.

لقد بشّرتنا الإحصائيات العلمية الأخيرة، بأن القدرة الاقتصادية الآسيوية ستصل إلى مستوى الاتحاد الأوروبي في غضون خمسة عشر عاماً، لتتقدم عليها في الأعوام التالية. أما حصة العالم العربي من هذه النهضة، فلا شيء يذكر، لأن التطور الصناعي مركّز في غالبه ضمن شرق القارة، لا في غربها.

إذاً، لا شيء يبشر بحدوث صدمة إيجابية على المستوى العربي الشامل في المدى المنظور.. فلنأمل، والحال كذلك، أنه قد آن الأوان لإدراك الحقيقة واستيعابها.. وأن ساعة الحسم التي كثر الحديث عنها، ستبقى احتمالاً، لا واقعاً قائماً.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz