أسفرت الدورة الأولى في انتخابات مجالس المقاطعات الفرنسية التي جرت يوم 14 مارس الجاري، عن هزيمة قاسية لحزب الرئيس نيكولا ساركوزي «الاتحاد من أجل حركة شعبية»، الذي لم يحصل سوى 26،3 من الأصوات. وعادة ما تكون الانتخابات النصفية في ولاية الرئيس صعبة جدا، وغير ملائمة للسلطة القائمة في قصر الإليزيه، سواء من اليمين أومن اليسار.
ولا شك أن لهذه الانتخابات، وهي الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2012، تداعيات وطنية، خاصة وأن ترشح 20 وزيرا على لوائح اليمين أكسبها طابع الاختبار للسياسة التي انتهجها ساركوزي منذ وصوله إلى السلطة في 2007، والتي لم تنتج سوى المزيد من تراكم الغضب لدى الفرنسيين.
فهناك الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها على الفرنسيين، لجهة انهيار قدرتهم الشرائية، وتزايد عدد العاطلين عن العمل في صفوفهم. فقد اتسعت جبهة البطالة من 7 إلى 10% منذ وصول ساركوزي إلى السلطة.
وفضلاً عن ذلك، فبدلا من أن يركز حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» على القضايا التي تهم الفرنسيين بشكل مباشر، نجده أغرق المشهد السياسي بسجال حول مكونات الهوية الفرنسية، وانزلاقه حول مناقشة البرقع والإسلام وأوضاع المهاجرين، متجاهلاً بذلك الأزمات المعيشية، ومجالس المقاطعات ومستقبلها وموقعها الإداري في حياة الفرنسيين.
وفي مقابل تراجع اليمين الفرنسي، حقق اليمين المتطرف، متمثلا بحزب «الجبهة الوطنية» الذي يقوده جان ماري لوبان وابنته ماري، اختراقا كبيرا في صفوف القاعدة الانتخابية الفرنسية، إذ حصل على نسبة 74,11%. وكان أحد مفاتيح نجاح ساركوزي في الانتخابات الرئاسية سنة 2007، هو تحجيم وتهميش حزب لوبان.
هذا النهوض الجديد لليمين المتطرف الفرنسي، يعود في قسم أساسي منه إلى خيبة أمل الأوساط الشعبية في فرنسا من سياسة ساركوزي، ومعاقبة اليمين العنصري لسياسة الانفتاح التي انتهجها الرئيس، والتي اعتبرها بمنزلة محاولة لاحتواء حزب الجبهة الوطنية.
أمام هزيمة اليمين الفرنسي، حققت مكونات اليسار الفرنسي (الاشتراكيين، والبيئة الأوروبي، وجبهة اليسار) قفزة كبيرة، بتجاوزها السقف الرمزي 50% من أصوات الناخبين. وقد حقق الحزب الاشتراكي واحدة من أفضل نتائجه، بحصوله على نسبة 5,29% من الأصوات، متخطيا بذلك نتائج الانتخابات الأوروبية لسنة 2004 (28،9).
فبعد ستة عشر شهرا من انتخابها المثير للجدل على رأس قيادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، قادت السكرتيرة الأولى مارتين أوبري الحزب نحو فوز جديد، أنساه الهزيمة المرّة التي مني بها في الانتخابات الأوروبية سنة 2009 (5,16%).
وتجد مارتين أوبري نفسها في مواجهة ثلاثة تحديات: الأول؛ بوصفها السكرتيرة الأولى للحزب الاشتراكي وما يتطلبه منها ذلك من بلورة مشروع تجديد الحزب. الثاني؛ بوصفها زعيمة المعارضة التي تقف على رأس قيادة حزب يقود اليسار بمجموع مكوناته.
والثالث؛ بوصفها المرأة المعترف بها لكي تخوض الانتخابات الرئاسية سنة 2012.
منذ الهزيمة التاريخية التي مني بها مرشح الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2002، والاشتراكيون الفرنسيون يعانون من ثلاث عقبات لم يستطيعوا تجاوزها.
الأولى، هي أزمة بلورة قيادة واضحة للحزب، وإذا كانت أوبري نجحت في فرض قيادتها على الحزب الاشتراكي، فإن هذه القيادة ستخضع لامتحان قاسٍ بعد الدورة الثانية، عندما تنطلق الانتخابات الأولية لترشيح من يتبوأ منصب المرشح الرئاسي للحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ولا سيما في ظل تطلعات المرشحة السابقة سيغولين رويال، ورئيس صندوق النقد الدولي دومنيك ستروس كان، الذي يتقدم استطلاعات الرأي في الوقت الحاضر.
الثانية، هي مشروع الحزب الاشتراكي، وكيف يمكن أن يوفق بين تياراته المتصارعة في داخله (الاشتراكي الإصلاحي، والاشتراكي الليبرالي، والاشتراكي الراديكالي).
الثالثة، وتتمثل في مسألة بناء «البيت المشترك» لليسار التعددي.
كاتب تونسي