منذ ما قبل إنشاء دولة الكيان الإسرائيلي في فلسطين عام 1948 بوقت طويل، لم يكن في أجندة الإسرائيليين أي بند فيه مكان للسلام مع الآخرين. على العكس من ذلك، فالطبيعة الإسرائيلية تتميز بالحقد التاريخي والانتقام الجماعي والعنصرية الفاشية.

المتتبع لتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يرى أن إسرائيل على الدوام هي البادئة بالعدوان، خاصةً على من أصبحوا يحاذونها بالجوار. في كل الأحوال تستغل ميزان القوة العسكرية الذي يميل لصالحها بشكل جارف.

يكون ذلك في كل معركة أو حرب تقوم بالتحضير لها وإحداثها. معروف عن الساسة الإسرائيليين المكر والخداع. ففي الوقت الذي كانوا يوقعون فيه على هدنة، أو سلام مثلاً، يكونون قد بدأوا بخرق الاتفاق وتقويضه.

من يُعرفون بوسطاء السلام من الخارج، في الغالب، ليسوا أكثر من ممهدين لقبول ما آلت وتؤول إليه الأحوال، حين يأتون بعد إشعال حروب أو افتعال أزمات تؤدي إلى قضم المزيد من الحقوق العربية.

هؤلاء الوسطاء قد يكونون تابعين لمنظمات دولية اسمياً، في مقدمتها الأمم المتحدة. وقد يكونون وسطاء من دول تحت أسماء محايدة، أو حتى غربية تتعاطف وتؤيد الخطوات الإسرائيلية العدوانية.

وسطاء السلام ساهموا في تثبيت الكيان الإسرائيلي، بالتوازي مع التحركات العدوانية الإسرائيلية. حدث ذلك عشية الإعلان عن دولة إسرائيل عام 1948، وبعد عدوان حزيران/ يونيو 1967، وخلال وبعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، والحروب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة الفلسطينية على مدى عقود من الصراع.

أظهر الإسرائيليون رفضهم المطلق للسلام، قبيل وخلال وبعد ما يُعرف باتفاق أوسلو الموقع في واشنطن عام 1993. ولكي يقبلوا ولو شكلياً بمبادئ السلام، تم تقديم تنازلات غاية في الضخامة والضغط على الضمائر والأنفاس.

في مقدمة ذلك تأمين اعتراف رسمي بالوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، التي احتلت ما بين عام 1917، بُعيد صدور وعد بلفور، وحتى الإعلان الرسمي عن قيام الدولة عام 1948. حصل ذلك بصفقة سياسية قادمة من الجحيم على الفلسطينيين، ومن السماء على الإسرائيليين؛ إذا كان يجوز التعبير.

السلطة الفلسطينية المنبثقة عن «أوسلو»، محاصرة من كافة الاتجاهات. بذلك تم تحويلها وكأنها باصمة لتوقيع صكوك قبول لكل ما يمكن للإسرائيليين ابتزازه، بالقوة أو اللين أو المكر والخداع أو العربدة السياسية.

في كل خطوة، صغيرة أو كبيرة، تجاه إقامة السلام، تضع إسرائيل العراقيل والعصي في الدواليب. المضي في درب السلام مع إسرائيل، أصبح مغامرة سياسية مرعبة. تذهب إسرائيل إلى أساليب الاغتيالات السياسية ومصادرة الأراضي واستفزاز مشاعر العرب والمسلمين الدينية والإنسانية.

الهدف النهائي هو تعطيل أي تقدم في اتجاه السلام، ذلك أن السلام مع الإسرائيليين يعني تقديمهم لاستحقاقات السلام. وذلك ما يحد من طموحات إسرائيل التلمود ـ توراتية ـ عنصرية.

في ذروة رفض السلام، يأتي الاستهتار الإسرائيلي بمشاعر مئات الملايين من البشر. حقيقةً، تغيير معالم القدس ليس ابن المرحلة الحالية. بدأ التخطيط لهذا قبل إنشاء دولة الكيان الإسرائيلي، لكن الخطوات العملية كانت تنتظر الظروف المناسبة.

الآن تسير عملية تهويد المدينة المقدسة في آخر مراحلها، بشكل همجي وحشي. هنالك تنكّر فاضح لكل المبادئ والقيم والأعراف الوطنية والدينية والإنسانية. على هواهم وحسب أمزجتهم وتفسيراتهم ووساوسهم العنصرية، يريدون العودة بالتاريخ إلى ما قبل آلاف السنين.

يطبّقون ذلك على الدول والشعوب العربية والإسلامية. هذه فئات يتم استضعافها بسبب ميل ميزان القوة العسكرية إلى جانب إسرائيل، بترسانة ضخمة من الأسلحة العصرية المتطورة. في المقابل يتم تقنين أسلحة العرب بشكل بائس.

الذي راهن على تحقيق سلام مع الكيان الإسرائيلي، يُصاب الآن بخيبة أمل ومحنة ضمير في كل لحظة تمر عليه.

في ذلك تضع إسرائيل، بالتعاون مع حليفتها الاستراتيجية، حوله أعداداً لا حصر لها من «الملاطش» المادية والنفسية والمعنوية. في كل مرة يتجه بفكره وخياله إلى أحدها، يصدمه أحدها بصعقة في أعصابه، أو لطمة أو صفعة في جبينه، أو سهم في عينه، أو طعنة في ضميره..!

في الجانب الوطني، إسرائيل لا تريد أن تبقي للفلسطينيين شبرا من الأراضي في فلسطين المحتلة، لا في تلك المحتلة عام 1948، ولا في الجزء الآخر المحتل عام 1967.

دينياً تزج إسرائيل بكل قوة التطرف الديني لديها، للتعامل مع أكثر المواقع حساسية في التاريخين المسيحي والإسلامي، في بيت لحم والقدس والخليل. إنسانياً يصل التنكيل بالشعب الفلسطيني الذروة في كل يوم، مع استمرار حصار مذل خانق، حقيقةً بدأته عليه منذ عشرات السنين.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae