تتسم الانتخابات السودانية المقبلة باهتمام خارجي، يبدو أحياناً أكثر من اهتمام بعض السودانيين أنفسهم، خاصة المتشككين منهم. وقد تجلى الاهتمام في الأموال التي دفعتها حكومات وهيئات غربية بسخاء غريب.

ومن الواضح أن الغرب يظن أن الانتخابات هي نهاية أزمات السودان وبداية الاستقرار. ولكن هذا الاهتمام الخارجي، دعم فكرة أن السودان صار يرى نفسه في عين الآخر، ويقلل من تقديراته الذاتية لنفسه. بمعنى أن الآراء والأحكام الآتية من الخارج، تجد اهتماما أكثر وتعتبر قيمة وموضوعية.

فمثل هذه الأحكام قد ترد بنصها في تقارير محلية، ولكنها تهمل ولا يلتفت لها. وسبق لي الحديث عن هذه الظاهرة في مقال عن ضعف وتراجع الإرادة الوطنية. فالسودانيون لم يعودوا يثقون في مؤسساتهم الوطنية على كل المستويات، الخاصة والعامة.

وللمفارقة صرنا جميعا ـ حكومة ومعارضة ـ نتسابق نحو الغرب للحصول على شهادات دعم لمواقفنا ولقراراتنا. وإن كانت ردود الفعل مثيرة للضحك لأنها انتقائية، فإن بعض المواقف الغربية، حين لا توافق توقعات الجهة المعنية، تعتبر جزءا من مؤامرة غربية كبرى.

وحين يحدث العكس، أي تتوافق مع مواقف الجهة، فهي تهلل قائلة: وشهد شاهد من أهلها. هذه مقدمة ضرورية تفسر الاهتمام الذي لقيه تقرير مركز كارتر (الخرطوم) الاخير، الصادر في 18/3/2010.

قبل الدخول في مضمون التقرير، هناك جوانب شكلية أثيرت عند مناقشة التقرير. فقد كنت اتساءل باستمرار: لماذا عجز مركز كارتر عن خلق علاقات موضوعية وشفافة مع منظمات المجتمع المدني والسياسيين السودانيين، وظل في برج عاجي يصدر منه التقارير بين كل فترة وأخرى؟

وجاءت الإجابة الغريبة من القيادي في حزب المؤتمر الوطني، إبراهيم غندور، حين صرح بأن اتفاقية عمل المركز في السودان تحرّم عليه الاتصال بعناصر سودانية بقصد الحصول على معلومات.

وهذه مسألة مستحيلة واقعيا، ولكنها تضع عمل المركز تحت سيف الاتهام بالاتصال بالسودانيين، مما يخالف شروط العمل، حسب التفسير الرسمي. ومن الملاحظ، أن بعض تصريحات أعضاء اللجنة الوطنية للانتخابات، تعلن رفضها للتدخلات الأجنبية.

وهذا يقصد به المراقبة الدولية، مما يمكن اعتباره خط رجعة لرفضها، وليس لرفض التدخل الدولي الذي تمثله حقيقة القوات الأجنبية على الأراضي.

يبدو أن مركز كارتر والغربيين عموما، يخشون حدوث العنف في الانتخابات. ولذلك، لاحظت ان التقرير استهل بجملة تتحدث عن انتخابات «سلمية وعادلة للجميع»، ولم يقل ـ كالعادة ـ إنها حرة ونزيهة.

ويحمّل التقرير حكومة الوحدة الوطنية وحكومة جنوب السودان المسؤولية، ولذلك ينصح الطرفين بالمواجهة السريعة لأي انتهاك قد تظهر منه إمكانية الفشل في فرض سلمية وعدالة الانتخابات، مما يضعف الثقة في العملية الانتخابية ويجعل نجاحها في خطر.

ومن المهم في الفترة القصيرة المتبقية، حسب التقرير، بذل الجهود لتحسين البيئة الأمنية. فالتقرير يعترف بأن الحملة الانتخابية حتى الآن سلمية، رغم حدوث بعض الحالات القليلة للعنف.

وبالتأكيد ستكون الفترة القادمة ساخنة وحاسمة، وبالتالي تحمل احتمالات العنف. ودرج السودانيون على عدم الاهتمام بالصدامات القبلية في الأرياف والبوادي، لذلك لا يلاحظون العنف حتى يحدث في المدن والحواضر.

وقد اعتبر التقرير أن هناك خطرا على قدرة المرشحين على تسيير حملاتهم الانتخابية دون عقبات في المناطق النائية. وطالب التقرير بتأجيل عملية الاقتراع لفترة بسيطة، وقد قدم المبررات والأسباب، وهي معقولة ومقبولة، وتتمثل ببساطة في مشاكل لوجستية، مثل تأخر وصول بطاقات الاقتراع التي طبعت في الخارج.

ولكن المفوضية الوطنية للانتخابات وضعت «فيتو» ضد فكرة التأجيل ولا تقبل أي حديث عنه، مع وجود أسباب عديدة أخرى تستوجب التأجيل. ولكن هناك عقبة أخرى، فقد غيّرت المفوضية أرقام بعض المراكز، مما يعني إعادة الترقيم من جديد.

وفي أمر التأجيل تبرز أزمة دارفور، فهل سوف تلحق بالانتخابات في موعدها على فرضية أن معجزة حدثت وتم الاتفاق على السلام؟ وهل سيتم تجاهل مطالب أحزاب لقاء جوبا التي تواجه المفوضية وتتهمها بعدم الحياد والأخطاء الإدارية؟

تطرق التقرير لقضايا ستثير غضب المفوضية الوطنية للانتخابات وحزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان. فقد عبّر المركز عن قلقه بشأن ما اسماها القيود المفروضة على حرية المواطنين في التنظيم وحرية التعبير، تحت مواد معينة في قانون الأمن الوطني وقانون الصحافة والمطبوعات.

وكانت هذه القوانين قد تعرضت لرفض شديد من القوى السياسية، لتعارضها مع الدستور القومي المؤقت واتفاقية السلام الشامل. ويدعو التقرير السلطات السودانية إلى الالتزام بالوعد الذي قطعه الرئيس البشير للرئيس كارتر أثناء زيارته للسودان في فبراير/ شباط 2010.

بأنه لن يطبق هذه القوانين على الأحزاب أثناء فترة الانتخابات. كما اشاد التقرير بالقرار الذي تبنته مجموعة من الأحزاب والشخصيات المستقلة في جوبا، والذي يوافق على مدونة السلوك المقدمة من الاتحاد الافريقي.

ويدعو التقرير كل الأحزاب الأخرى للموافقة على المدونة، والتي تمثل ميثاق شرف لعلاقات الأحزاب، كما تكفل كل حريات العمل الانتخابي بلا قيود تقلل من إمكانية قيام انتخابات مثالية.

جاء موقف مركز كارتر متطابقا مع موقف أحزاب المعارضة في موضوع استغلال الموارد العامة في الحملة الانتخابية. وهذه معادلة صعبة، أن تعطي الحكومة الحق في الاستمرار في السلطة أثناء الحملة الانتخابية، ثم تطلب منها عدم استغلال موارد الدولة.

أولا، هذا نظام شمولي لم يتعود على أي رقابة أو محاسبة تحد من استخدامه لسلطته المطلقة. ثانيا، جرت العادة أن تكون الحكومة القائمة أثناء الانتخابات حكومة انتقالية قومية، ولكن اتفاقية نيفاشا لم تشترط ذلك. وهذه الوضعية أخلت بمبدأ المساواة في الفرص والإمكانات في الشمال والجنوب.

حيث يستثمر المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الوضعية المميزة التي منحتها لهما الاتفاقية. ومن ناحية أخرى، ورغم مطالبة الأحزاب بالتمويل من خلال الدولة، إلا أن مفوضية الانتخابات تجاهلت هذا الطلب.

رغم موضوعية تقرير المركز وتغطيته لكل القضايا الملغومة، الا أن التقرير قد يأتي بنتائج عكسية تماما. فالمركز لا يملك سلطة لإصلاح الأخطاء، كما أنه يفتقد في كثير من الأحيان القدرة على المتابعة والتأكد من تجاوز الخطأ.

وأخطر ما في التقرير أنه يزود الأحزاب ببينات قوية على مخاوف عدم نزاهة وحرية الانتخابات، وفي حالة رفضها مستقبلا لنتائج الانتخابات، فالتقرير وثيقة اتهام جاهزة.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com