ماذا يُنتظر من مؤتمر القمة العربي؟ هل يؤمل إصلاح وخير أو مصالحة واتفاق، بعد كل هذه المؤتمرات طوال عقود؟ مسوغ السؤال هو واقع العالم العربي بتمزقه وانقساماته، بتراجعه وأزماته.
صحيح أن العرب يتقدمون على غير صعيد، لكنهم يتخلفون قياساً على ما تنجزه بلدان أخرى، كانت وراءهم، فإذا بها تصبح أمامهم. قد يُقال هنا إن الصراع العربي الإسرائيلي والضغوط التي تمارس على العرب من جانب القوى الكبرى والدول الفاعلة.
على المسرح العالمي، هي السبب الذي يقف وراء تعثر مشاريعهم في الإصلاح والتحديث والتقدم، إذ هي التي تستنزف جهودهم في الصراع مع الخارج على حساب الداخل.
ولكن هذه الذريعة لم تعد مقبولة، بل باتت خادعة؛ فالدول العربية ليست كلها منشغلة بالصراع العربي الإسرائيلي. لنعترف، فالأصل في ما هو واقع من العجز والتخلف والتفكك، يعود إلى العرب أنفسهم، إلى كونهم يهربون من حمل المسؤوليات لرميها على الآخر في الخارج، أو على المختلف والمعارض في الداخل.
أياً يكن، فإن مؤتمر القمة، بوصفه المرجعية السياسية العليا للعمل العربي المشترك، ذو مهمة مزدوجة. الأولى هي مهمة دائمة تتعلق بالقضايا الحيوية والشؤون المصيرية: كيف يخرج العرب من عجزهم ويستعيدون مبادرتهم التاريخية.
لكي يصنعوا ازدهارهم ويطوروا مجتمعاتهم ويصبحوا شريكاً منتجاً وفاعلاً في ورشة الحضارة؟ كيف يواجهون التحديات، وسط التسابق والتنافس بين القوى الفاعلة، القديمة والناشئة؟
وهذا الأمر يحتاج إلى إدارة القضايا والشؤون أو المصالح والمصائر بصورة جديدة ومختلفة، خارقة لما هو معتاد ومألوف أو لما هو مستهلك وعقيم، بحيث تُبتكر أُطر وقواعد ووسائل فعالة في العمل والتدبير. أما المهمة الأخرى، فهي النظر في المسائل العالقة والقضايا الطارئة، وبالأخص العلاقات بين الدول العربية.
فهذا هو أقل ما يمكن فعله: منع الاختلافات من الانفجار والتحول إلى نزاع أو انقسام، بالعمل على معالجتها وإدارتها بصورة عقلانية، سلمية، بحيث تتحول إلى اتفاق بناء أو إلى عمل مثمر في مجال من المجالات.
ولكن هذا ما أخفقت فيه مؤتمرات القمة، مع أنه مسوغ وجودها. والدليل أنه بعد كل هذه اللقاءات، سنة بعد سنة، نجد أن العلاقة بين سوريا ومصر تكاد تصل إلى حدّ القطيعة على مستوى القمة.
والشواهد كثيرة وفاضحة، فالحرب الأخيرة في اليمن لم يعلن عن وقفها في الجامعة العربية، بل في لندن، حيث اجتمعت أطراف، عرب ودوليون لهذه الغاية، وكأن الجامعة تفرق ولا تجمع!
ومن الشواهد أيضاً أن زيارة وزير خارجية تركيا داوود أوغلو إلى سوريا، مؤخراً، كان من أهدافها معالجة سوء التفاهم بين لبنان وسوريا، البلدين الشقيقين والجارين. وحسناً تفعل تركيا بأن تلعب دور الوسيط في الشرق الأوسط، في ما يخص العلاقة بين العرب وإسرائيل، فهذا ما تحمد عليه.
أما أن تجمع بين العرب أنفسهم، فتلك هي فضيحة الوحدة العربية، أو إخفاق العقل العربي الذي لا يحسن إتقان لغة التوسط والتداول. من المثالات الأخرى على العجز والتشرذم، أننا نجد بلداناً عربية أو جماعات عربية، سياسية أو طائفية، تقيم أقوى العلاقات والتحالفات مع بلدان غير عربية، فيما هي على خصام مع بلدان عربية شقيقة.
ولو توقفنا عند القضية الفلسطينية، التي يعدها العرب القضية الأم، نجد أن فلسطين تكاد تصبح فلسطينيْن، واحدة لفتح وأخرى لحماس، بسبب الانشقاق بينهما، واندراج كل منظمة أو دويلة في محور إقليمي أو دولي، وبصورة تصبح معها مسألة التحرر الوطني مسألة هامشية، تمتصها الصراعات على المسرح الدولي وتوظفها لخدمة استراتيجيات تتجاوزها وربما ترتد ضدّها.
ما تعنيه هذه الشواهد، أن العالم العربي ليس واحداً، بل هو متعدد. بالطبع، فإن الأصل في أي اجتماع أو اتحاد هو التعدد والتنوع أو الاختلاف والتعارض. ولكن ثمة من يعمل على الاختلاف لتحويله إلى وحدة مركبة، غنية وقوية.
وبالعكس هناك من يعمل على تشتيت ما هو جامع أو هدر ما هو مشترك، لصنع الانقسام والفرقة. ولعل هذه هي حال العالم العربي، إذا نظرنا إليه على مستوى الديانات والأيديولوجيات والسياسات والمحاور والزعامات. إنه عالم الأضداد والنقائض.
وقد يكون الوضع الآن أسوأ مما كان عليه من قبل. ومن المفارقات في هذا الخصوص، أن أصحاب المشاريع الوحدوية والتوحيدية، قومية أو يسارية أو إسلامية، قد أخفقوا إخفاقاً ذريعاً، إذ لم ينتجوا سوى النزاع والفرقة أو التفكك والشرذمة.
وهذا الواقع البائس يشهد على أن من دمر فكرة الوحدة هم دعاتها بالذات، بقدر ما تعاملوا مع الواقع المتعدد والمتنوع، المعقد والملتبس، بعقل أحادي، ضيق، فئوي، عنصري، نرجسي، لا يتيح توحيد حيّ في مدينة.
وفي المقابل، هناك فاعلون لم يشتغلوا بالدعوة والتنظير للوحدة، يسهمون في خلق لغات ومساحات وأسواق للعمل العربي المشترك، والمقصود بهم المنتجون والمبدعون للكتاب والأغنية والفيلم.. أو المنظمون للندوة والمعرض والأمسية.. أو المنشئون للقناة والشركة والمصرف.. وسوى ذلك من مجالات الابتكار والإنتاج.
وتلك هي المفارقة الفاضحة، فما خرّبه الدعاة والمنظّرون، بشعاراتهم وجماهيرهم وحشودهم، يعمل على إصلاحه وتعزيزه أو تطويره وتحديثه، العاملون والناشطون في مختلف حقول الإنتاج.
ولهذا لا أراني أتشاءم بخصوص العمل العربي المشترك، وأنا أوثر هذه العبارة على شعار «الوحدة» الذي استهلك أو شحن بمعانٍ سلبية أو عدوانية. والعمل العربي المشترك البناء والمثمر.
إنما يُدار بفكر مختلف تنكسر معه الثنائية التي تتحكم في علاقات العرب بعضهم ببعض، والتي بموجبها يعامل الواحد نفسه بمنطق الصفوة والوصاية والاحتكار للشأن العربي أو الإسلامي، فيما يعامل سواه بعقلية المؤامرة والخيانة والعمالة وسواها من المفردات التي تمزق الصف وتلغّم المجتمعات.
هذه عملة قد سقطت وأثبتت فشلها، إذ هي لا تصنع سوى هدر الجهود وشل الطاقة وقتل الحيوية. فالعالم العربي ينطوي على غنى هائل في المعطيات والموارد الطبيعية والتراثية والبشرية.
وما يحتاج إليه هو عقول مركبة وأفكار خلاّقة واستراتيجيات راهنة وإدارات فعّالة، يحسن أصحابها أن يتغيروا في مواجهة التحديات، وعلى نحوٍ يحيل الاختلاف إلى غنى والتعدد إلى قوة، كما يحيل الموارد والطاقات إلى قيَم وثروات، وشرط ذلك هو أن نتحول إلى مجتمعات منتجة للمعرفة في واقعنا وفي العالم.
بهذا المعنى ليس الخيار بين الوحدة والانفصال، بل بين أنماط متعددة أو أشكال مختلفة من ممارسة الوحدة وترجمة الفكرة العربية.
كاتب ومفكر لبناني
