من جديد، وقبل أن تهدأ الضجة التي أثارتها الفتوى الشهيرة للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، بجواز تكفير وقتل من يبيح الاختلاط في العمل والتعليم، خرج علينا الدكتور يوسف الأحمد، عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود، بفتوى جديدة عبر مداخلة هاتفية أجراها مع قناة «بداية» الفضائية.

وصف فيها الاختلاط بين الجنسين في المسجد الحرام ب«الاختلاط المحرم»، موضحا أنه يستند في ذلك إلى فتوى للمفتي العام السابق للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز.

واقترح الدكتور الأحمد خلال مداخلته هدم المسجد الحرام بشكل كامل، وإعادة بنائه من عشرة أو عشرين أو ثلاثين دورا، بحيث يؤخذ في الاعتبار الفصل بين الرجال والنساء فيه.

ورغم نفي الدكتور الأحمد اقتراحه هذا، لكل من الدكتور عبد المحسن المطيري الأمين العام المساعد لرابطة علماء المسلمين، والدكتور خالد شجاع العتيبي الأستاذ المساعد في كلية التربية الأساسية، وفق ما جاء على لسانيهما، وتأكيده لهما أنه يحرم الاختلاط بين الرجال والنساء إلا أن العلماء استثنوا الحرم من ذلك.

وأنه كان يقصد التوسعة على المسلمين، فإن المداخلة موجودة على موقع (يوتيوب) وبصوت الدكتور الأحمد نفسه، وقد جاءت في معرض الحديث عن مستشفى (الوفاء) المخصص للنساء في مدينة «عنيزة» السعودية، وكان منصبا على عدم التفريق بين الخلوة والاختلاط، وما سماه ب(شبهة المنافقين) في قضية أن الطواف مختلط.

عودة الفتاوى إلى الواجهة من جديد مؤشر على الأزمة التي نعيشها في عصرنا الحاضر، وليست الخطورة في الفتوى نفسها باعتبارها تعبيرا عن رأي، وإن كان لنا على هذا تحفظ، وإنما في وجود من يؤيدها ويتعصب لها لتصبح في منزلة الحكم القضائي.

وتكمن الخطورة الأكبر في احتمال ظهور من يتصدى لتنفيذها بعيدا عن سلطة الدولة ومؤسساتها القضائية والتنفيذية. فقبل عامين، على سبيل المثال، أصدر الشيخ عبد الرحمن البراك فتوى أباح فيها دم كاتبين سعوديين، وأفتى بأنهما يستحقان القتل إذا لم يتراجعا عن آرائهما التي جعلتهما مرتدين.

وقال إن الكاتبين لا بد من محاكمتهما بسبب (المقالات الكفرية) المنشورة لهما وإعدامهما إذا لم يتوبا.

وكان الكاتبان قد شككا في وجهة النظر التي تعتبر أتباع الديانات الأخرى يتعين اعتبارهم كفارا، الأمر الذي أنكره عليهما الشيخ البراك لأنه (في رأيه) فكرة تفترض أن المسلمين يملكون حرية اتّباع ديانات أخرى، وأن دينهم على قدم المساواة مع الديانات الأخرى.

وقد أعلنت مجموعة من رجال الدين السعوديين تأييدهم للفتوى، وأصدروا بيانا يطلبون فيه من الله العون في مواجهة الهجمة الشريرة التي يشنها الليبراليون من خلال المعتقدات الملوثة.

وقالوا في البيان، الذي انتشر في المواقع الإلكترونية، إنهم على دراية بمدى علم الشيخ البراك في الدين وفي أحوال الأمة الإسلامية، ويثقون في مكانته لدى المسلمين، وفي علمه وفتاواه.

خطورة مثل هذه الفتاوى، كما قلنا، لا تكمن في كونها خلافا في الرأي لا يفسد للود قضية أو يفسدها حتى، وإنما في تحولها إلى أحكام قضائية تكتسب قوة القانون لدى البعض، وقد تجد من يتطوع لتنفيذها.

والدليل على ذلك هذا العدد الكبير من الأصوات التي ترتفع في المواقع الإلكترونية، معلِّقة على هذه الفتاوى التي أخذت شكل الأحكام، مطالبة بالقصاص ممن صدرت بحقهم وقتلهم أو نفيهم من البلاد كي يكونوا عبرة لمن شاء أن يعتبر.

والشواهد على هذا كثيرة، يمكن رؤيتها بكبسة زر على الشبكة العنكبوتية التي غدت ميدانا يرتع فيه المتشددون من كل الأديان، وليس الإسلام فقط، الذين قرروا خطف الرسالات السماوية وتحويلها إلى إقطاعيات خاصة بهم، في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى الحوار العقلاني الهادئ.

البعيد عن التعصب الأعمى والتشدد وإصدار الأحكام دون التفكير في نتائجها وما قد تجره علينا من ويلات ودمار وخراب، هو أسوأ من الدوافع التي تجعل هؤلاء المشايخ يصدرون مثل هذه الفتاوى والأحكام، ويرفضون مجرد فكرة مناقشتها، بدعوى أنها مستمدة من الكتاب والسنة.

ماذا لو تحمس مثلا أحد تلامذة الدكتور يوسف الأحمد ومريديه، لفتواه واقتراحه هدم المسجد الحرام بشكل كامل وإعادة بنائه بالشكل والمواصفات التي اقترحها، فقام بمحاولة مجنونة لتفجير الحرم وأزهق أرواح الطائفين بالبيت والساعين بين الصفا والمروة.

بدعوى أنهم متبعون لما سماها الدكتور «شبهة المنافقين»، على أمل أن يقام على أنقاضه ذلك البناء الذي دعا إليه الدكتور للقضاء على الاختلاط الذي لم نسمع بتحريمه داخل المسجد الحرام منذ عهد صاحب الرسالة (صلى الله عليه وسلم)، إلا على أيدي مشايخ الفتاوى الجدد وتلاميذهم والمدافعين عن فتاواهم؟

إن من ينظر إلى خارطة الأمة وأحوالها وما تعانيه من ضعف وهوان وضياع لمقدساتها، ثم يرى ما يشغل عقول بعض مشايخها من قضايا، يصاب بالإحباط ويشعر بالأسى ويرثي، ليس لأحوال الأمة فقط.

وإنما لهذه العقول التي تنشغل بمثل هذه المسائل الفرعية، وتترك المسائل الكبرى التي تنخر في جسد الأمة وتعيث فيه فسادا وتورثه هزالا وضعفا ووهنا على وهن، بينما نحن منشغلون بتكفير بعضنا البعض وعزل الرجال عن النساء في أماكن التعليم والعبادة، التي يجب أن تنصرف فيها عقولنا وأذهاننا إلى ما هو أبعد من التفكير في الجزء السفلي من أبداننا.

إننا نربأ بعلمائنا الأفاضل عن هذه الفتاوى التي تنشر ثقافة القتل والهدم وإقصاء الآخر، وتشوه صورة الإسلام والمسلمين، ولا تعود علينا إلا بمزيد من الخلاف والتشتت والفوضى، وندعوهم إلى الانشغال بالبناء بدلا من دعوات الهدم هذه، قبل أن ينهدم المعبد على رؤوس الجميع ويتساوى في الخسارة الداعون إلى هدم المسجد والداعون إلى البناء.

نقول هذا بدافع الحرقة التي نشعر بها، ولا نعرف كيف نعبر عنها ونحن معرضون للتكفير في أي لحظة وتحت أي بند من البنود التي تفاجئنا بها فتاوى التكفير كل يوم، لتصدم عقولنا ونفوسنا وفهمنا لديننا الذي يحضنا على الدعوة إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.

aliobaid2000@hotmail.com