قصد الإمام أبو حامد الغزالي جرجان؛ لأخذ العلم من الإمام أبي النصر الإسماعيلي، وعلّق عنه التعليقة (أي دوّن في كتبه ما تعلمه من الشيخ)، ثم رجع بعد ذلك إلى بلدته طوس، وفي الطريق اعترضته جماعة من اللصوص المسلحين فأخذوا منه مخلاته (ما يوضع فيه المتاع ونحوه) التي فيها كتبه، ظنا منهم أن فيها نقودا ومتاعا، وساروا في طريقهم، فتبعهم الإمام الغزالي فالتفت إليه كبيرهم وقال: ارجع ويحك وإلا هلكت.
فقال له الغزالي: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط؛ فما هي بشيء تنتفعون به، فقال وما هي تعليقتك؟ فقال كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها.
فضحك اللص وقال: وكيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم، ثم أمر أصحابه فسلّموا إليه المخلاة.
لم يكن الإمام الغزالي ليردي نفسه قتيلا على يد أولئك اللصوص وهو يعلم أنه لا عهد لهم ولا ذمة، لولا إدراكه بأهمية الكتاب ومبلغ قيمته، فمضى خلف كتبه فكتبت له السلامة، ليعود بعدها بصحبة كتبه إلى بلده ومستقره.
لقد عنى الكتاب لطلبة العلم الكثير والكثير، لذا ارتبط معهم برباط وثيق وحبل متين، فقد احتل الكتاب في تاريخ حضارتنا مكانة سامية فغدا اقتناؤه ـ لدى من يعرفون قدره ـ أمرا لا يساوم باللُّجين ولا بالذهب.
وقد أبلغ الجاحظ في المقالة، حين وصف منزلة الكتاب بين أهله فقال: «والكتابُ هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغْريك، والرفيق الذي لا يملُّكَ، والمستَمِيح الذي لا يستَريثُك، والجارُ الذي لا يَسْتَبْطِيك.
والصاحبُ الذي لا يريد استخراجَ ما عندَك بالملَق، ولا يعامِلُك بالمَكر، ولا يخدَعك بالنِّفاق، ولا يحتالُ لك بالكَذِب، والكتابُ هو الذي إنْ نظرتَ فيه أطالَ إمتَاعَك، وشحَذَ طباعَك، وبسَط لسانك، وجوَّدَ بَنانك، وفخَّم ألفاظَك، وَعمَّر صدرك، ومنحكَ تعظيمَ العوامِّ وصَداقَةَ الملوك، وعَرفتَ به في شهر.
ما لا تعرفُه من أفواهِ الرجال في دهْر، مع السلامةِ من الغُرم، ومن كدِّ الطلب، ومن الوقوفِ بباب المكتِسب بالتعليم، ومِن الجُلوس بين يَديْ مَن أنت أفضلُ منه خُلُقاً، وأكرمُ منه عِرْقاً، والكتابُ هو الذي يُطِيعُك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعُك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلُّ بنومٍ، ولا يعتَرِيه كَلالُ السهرِ.
وهو المعلِّمُ الذي إن افتقرتَ إليه لم يُخْفِرْك، وإن قطعتَ عنه المادَّة لم يقطعْ عنك الفائدة، وإن عُزِلتَ لم يَدعْ طاعتَك، وإن هبَّتْ ريحُ أعادِيك لم ينقلبْ عليك، ومتى كنتَ منه متعلِّقاً بسبب أو معتصماً بأدنى حبْل، كان لك فيه غنًى من غيره، ولم تَضْطَرَّك معه وحشة الوَحدةِ إلى جليس السوء.
ولو لم يكن مِن فضْله عليك، وإحسانِه إليك، إلاّ منعُه لكَ من الجلوس على بابك، والنظرِ إلى المارَّةِ بك، مع ما في ذلك من التعرُّض للحقوقِ التي تَلزَم، ومن فُضولِ النظَر.
ومن عادةِ الخوض فيما لا يعنيك، ومِن ملابسةِ صغارِ الناس، وحضورِ ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسِدة، وأخلاقهم الرديَّة، وجَهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة.
ثم الغنيمةُ، وإحرازُ الأصل، مع استفادةِ الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلاّ أنّه يشغَلُك عن سُخْف المُنَى وعن اعتياد الراحة، وعن اللعب، وكلِّ ما أشبهَ اللعب، لقد كان على صاحبه أسبَغَ النعمةَ وأعظَمَ المِنَّة...».
لعمري إن هذا لخير ما يوصف به جليس الزمان، وأليف الجنان، ورفيق الإنسان، وهو زاده وغناه، فما نفعنا بالمحافظ المكتنزة بالنقود إذا خلت بيوتنا من الكتب، ولكَم هو جميل أن نقضي أوقاتنا بين دفتي كتاب ننهل منه صنوف المعرفة، ونرتوي من ينابيع الفكر؛ فيزداد رصيدنا الثقافي ونسمو بالمعرفة.
ولا يتسنى لنا ذلك إلا بمد جسور التواصل مع الكتاب وإصلاح علاقتنا معه، فنبرّه ونصل رحمنا به، نذوق حلاوته، وننعم بكريم العيش في كنفه، مع مجاهدة للنفس وحملها على ما تكره؛ لتشتاق نفوسنا للقراءة والإقبال على اقتناء الكتب المفيدة والنافعة.
ولا بد أن تزخر بيوتنا بهذه النفائس فتسكن بيننا، تقاسمنا حياتنا بأفراحها وأتراحها، وتجد مكانها المناسب في أطوار حياتنا، كي لا تشكو جفاءنا لها ولا مر الفراق وقسوة ظلمنا، لنغدو قادرين على أن نبني بها جيلا متنوع المشارب، واسع الإدراك قادرا على أن يكتب اسمه بحروف من نور على صفحة الزمن حاضره ومستقبله. ومن مكتبة البيت ستكون انطلاقتنا وسنصدح عاليا: في بيتنا كتاب.
كاتب إماراتي