ديون الولايات المتحدة ربما تصل إلى 20 تريليون دولار بحلول عام 2020. ولذلك قام الرئيس الأميركي باراك أوباما، قبل أيام، بتعيين لجنة من كلا الحزبين لبحث سبل معالجة مشكلة ديننا الوطني المرعب.

ومثل هذه الاستجابة المتعقلة ربما تبدو صادقة، وتستحق العناء المبذول من أجلها. لكنها تأتي بعد مرور 13 شهراً على تولي هذه الإدارة مقاليد الحكم ، وبعد أن أضاف أوباما 5, 1 تريليون دولار إلى كوم الديون في 2009.

وإلى أن يحين موعد قيام اللجنة الجديدة بتقديم توصياتها، بحلول نهاية العام الجاري، ستكون ميزانية 2010 الحالية قد أضافت 5, 1 تريليون دولار أخرى إلى الديون.

قبل وقت ليس بالبعيد، ركز أوباما خلال حملته الانتخابية بشكل خاص على موضوع الرصانة المالية، حيث استغل الغضب الشعبي من عجز الميزانية في عهد بوش، والذي تراكم حتى وصل إلى 5, 2 تريليون دولار على مدار 8 سنوات. لكن الآن يبدو أن أوباما قد كسر رقم بوش القياسي في تجميع الديون خلال سنتين فقط.

ولقد وجه أوباما أيضاً دعوة إلى المعارضة الجمهورية لعقد اجتماع على مستوى القيادات في البيت الأبيض، لتخطي الاختلافات حول مشروع قانونه المتعثر بشأن الرعاية الصحية.

وهنا أيضاً تبدو فكرة عقد محادثات جماعية على مبدأ «لنضع الماضي خلف ظهورنا» فكرة جيدة ، نظراً إلى تكلفة التأمين الصحي الآخذة بالارتفاع وملايين الناس الذين لا يقدرون على تحملها.

لكن المشكلة هنا أيضاً هي أن تلك المبادرة جاءت ضئيلة جداً ومتأخرة جداً ، بعد مضي أكثر من سنة عل بدء أوباما في مسعاه الأحادي لمنح الحكومة صلاحيات السيطرة على جزء كبير من نظام الرعاية الصحية في البلد.

وقبل سنة من الآن ـ عندما كان الديمقراطيون يحظون بأغلبية ساحقة في مجلس الشيوخ ويتنعمون بأمجاد انتصاراتهم في انتخابات 2008 ـ لم يعبأ أوباما كثيراً بغياب المساهمة والمشاركة الجمهورية.

وبدلاً من ذلك، عمد أوباما، بشكل متحزب، إلى وضع سلسلة من المواعيد النهائية والمهل الزمنية لحزبه لتمرير رزمة إصلاحاته المفضلة ، كان أولها مع حلول موعد عطلة أغسطس، ثم عطلة عيد الشكر، ثم استراحة عيد الميلاد، وهكذا دواليك. وكان لا بد من رشوة نائبين ديمقراطيين مترددين بمنحهما مخصصات بقيمة ملايين الدولارات لضمان تصويتهما مع السرب.

وفي هذه الأثناء، ذكرت تقارير ان الرئيس نفسه سخر من محتجين غاضبين في إحدى الفعاليات، واصفاً إياهم بمعاداة الحكومة الفدرالية. ويبدو أنه لم يكن يأبه للمعارضة في ذلك الحين.

وأخيراً شجب أوباما بفظاظة سياسات التحزب والإعلام وتراخي الكونغرس في واشنطن. ففي خطابه لحالة الاتحاد في يناير الماضي، استنكر أوباما «التحزب والصراخ والوضاعة» من قبل «الساسة الذين يشوه كل منهم الآخر بدلاً من العمل للنهوض بالبلد» و «المعلقين التلفزيونيين الذي يحولون المناظرات الجدية المهمة إلى مجادلات سخيفة». وشجب بعض مناصري الحكومة أيضاً لجوء الجمهوريين إلى الأساليب التعويقية في الكونغرس.

لكن في هذا السياق أيضاً، قبل 13 شهراً، لم يكن لدى هذا الرئيس نفسه أي اعتراض على حكم الحزب الواحد أو المعلقين التلفزيونيين أو أساليب السياسة في واشنطن. ولم يكن لديه أي انتقاد للأساليب التعويقية ،التي على أي حال لم يكن لها معنى في أوائل 2009، نظراً للأغلبية المطلقة التي كان يحظى بها أوباما في مجلس الشيوخ.

إذن، لماذا هذا التحول المفاجئ من جانب أوباما لتبني السياسات العاقلة المسؤولة؟

قبل سنة من الآن، كان الرئيس أوباما المنتخب حديثاً يحظى برضا حوالي 68 بالمئة من الجماهير. وكانت هناك أغلبية ديمقراطية قوية في كلا مجلسي الكونغرس. وكانت المؤتمرات الصحافية الرئاسية أشبه بمهرجانات ودّية.

ومن الواضح انه لم يكن هناك حاجة لمد يد التواصل إلى المعارضة، في ذلك الوقت عندما بدت الأجندة الليبرالية الجديدة الجسورة للبلد أمراً مؤكداً.

لكن الآن؟ معدلات رضا الجماهير عن أداء أوباما تراوح دون عتبة 50 بالمئة. الديمقراطيون خسروا أغلبيتهم المطلقة في مجلس الشيوخ بالفوز المذهل للجمهوري سكوت براون في ولاية مساشوستس الليبرالية.

كما ساعدت معارضة شعبية نظمها المحافظون في تنصيب حاكمين جمهوريين في كل من فيرجينيا ونيو جيرسي. وتظهر استطلاعات الرأي ان انتخابات نوفمبر 2010 ربما تتمخص عن أكبر انتكاسة ديمقراطية منذ جيل كامل، مع إمكانية أن يمنوا بخسارات كبيرة في كلا مجلسي الكونغرس.

والآن يرى المحللون من كلا الحزبين أن هناك أخطاء واضحة في أسلوب أوباما في الحكم. وتعبر الاحتجاجات الشعبية عن استياء الناس من فورة الإنفاق والاقتراض من جانب الحكومة الفدرالية، خارج حدود السيطرة، وأيضاً من فكرة إيجاد رعاية صحية تديرها الحكومة.

وهكذا، هرع الرئيس أوباما للقيام بما كان يجب عليه فعله منذ أكثر من سنة.

لكن المشكلة الآن هي أن الجماهير التي استبد بها الضجر تعتقد أن أوباما غير لهجته ومساره، ليس لأنه أراد ذلك لمصلحة البلد، بل لأنه أجبر على ذلك لمصلحته الشخصية.

بعبارة أخرى، إن رسالة «الأمل والتغيير» الذي خرج بها أوباما العام الماضي تحولت هذه السنة إلى رسالة «مهما كلف الأمر» بنبرة الساخر المتشائم.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد