الأمر المؤكد منذ الاحتلال الأميركي للعراق منذ 2003 حتى اليوم، هي تلك الصورة المخيفة للاحتراب الطائفي، سواء في أطواره الشاخصة في سنوات مضت أو الخافتة في الآونة الأخيرة. في أحسن الأحوال، لن يكون بوسع خيال غير العراقيين سوى امتلاك صورة مقلقة عن حالة احتراب كامنة حتى في تفاصيل الحياة اليومية.
على هذا، لن تستدعي الذاكرة سوى صور سياسيين متنافسين يتبادلون الاتهامات أو يكثرون من الكلام والوعود، وجثث الضحايا المدنيين المتناثرة لعمليات إرهابية، لأن رصد مظاهر التقدم سيبقى دوماً أمراً صعباً في بلد غير مستقر يطغى فيه التوتر.
أن التقدم بطيء حتما والتوتر السياسي يزيده بطأً، فيصبح التفاؤل أمراً نادراً. مازال الوقت مبكرا لرسم صورة شاملة تتسم بقدر متفاوت من التفاؤل حيال العراق، لكن الوضع لا يعدم مؤشرات تفاؤل قد لا تبدو ملموسة لكثيرين.
احد مؤشرات التفاؤل التي يمكن أن تستوقفنا هنا هي النتائج الأولية للتصويت في الانتخابات العراقية الأخيرة وبالأخص تقدم قائمة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي. مؤشر التفاؤل هنا لا يتعلق بشخص علاوي أو حلفائه.
وقد يكون التفسير القائل بأن قائمة علاوي اجتذبت الناخبين السنة، صحيحا إلى حد ما لهذا النجاح.وفي حدود ما، قد لا يرتبط هذا التقدم وسط الناخبين ببرنامج «القائمة العراقية» أيضا لأن البرامج الانتخابية غالبا ما تكون متشابهة.
فالبرنامج بطابعه الوطني والإصرار على الطابع «العلماني» للقائمة وشخصياتها قد يشكل عنصر جذب رغم أن القائمة لا تقدم تفسيرا محددا للعلمانية التي تطرحها. الحال هنا أن «العلمانية» تحولت إلى رمز أو ما يشبه «الكلمة المفتاح ـ Code».
ولعل أهمية هذا، قد تأتي من محاولة تحليل أسباب النجاح التي تتردد، فالتصويت الكثيف للسنة لصالح القائمة، يبدو ملمح تقدم واضح إذا ما أخذ في الاعتبار أن علاوي شيعي أساسا. وبمنطق المساجلات الانتخابية يمكن أن يقلب بعض الناخبين تاريخه القريب فيشير البعض إلى مسؤوليته عن مذبحة الفلوجة عام 2004.
لكن هذا لا يبدو في الحسبان، وستبقى دوافع التصويت الكثيف للسنة لصالح علاوي تكمن في مكان آخر. وبدوافع الضجر وانعدام الصبر أيضا، فإن تلك العبارات التي تساوي كل المرشحين في السوء، يمكن أن تسمع كثيراً ومراراً، لكن على الأرض يبدو أن الناخبين كانوا يتحركون بشيء من دوافع ذكاء عملي أكثر من دوافع طائفية أو ايديولوجية.
هنا، يبدو أن مفردة «العلمانية» التي التصقت بقائمة علاوي لعبت دور الكلمة المفتاح في حدود ما. لكن أيضا بالنسبة لقائمة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي مع شعار قائمته «دولة القانون».
في كلا الحالين فإن قائمة علاوي بعلمانيتها الغائمة حولها، ومفردتي «دولة القانون» تؤشران دون ريب إلى رغبة في التخلص من أعباء الانضواء تحت قيادة دينية. فتلك القيادات التي لا تزال تحت عباءة «الايديولوحيا» انضوت في كتلة أخرى هي «الائتلاف الوطني العراقي».
الرسالة واضحة، فتقدم «قائمة المالكي» و«قائمة علاوي» يؤشر بما لا يدع مجالا للشك أن دوافع الناخبين (رغم غموضها والتباسها أحيانا) تشير إلى رغبة كامنة وقوية في التخلص من أعباء الايديولوجيا ومسعى لإرساء حياة سياسية قائمة على تقاليد علمانية.
وان صح القول ان المالكي اجتذب أصوات الشيعة وعلاوي اجتذب أصوات السنة، فإن الصحيح أيضا هنا أن هذه الرغبة في حياة سياسية قائمة على العلمنة لا على الايدولوجيا والطوائف هي «رغبة مشتركة» لدى العراقيين أيا كانت انتماءاتهم.
أما الذاكرة الجماعية للعراقيين هنا، فهي تحفظ حقيقة شاخصة، ربما تضافرت مع عوامل أخرى لكي ترسم هذه النتيجة لمشهد الانتخابات. فالذاكرة العراقية تحفظ جيدا أن سنوات الاستقرار (بما تعنيه من وجود فرص التقدم وتلمسه بشكل عام) إنما كانت في سنوات الملكية وسنوات الجمهورية التي تلتها رغم كل مظاهر الصراع السياسي والاستبداد التي سادتها والتي أسهمت في بدء الانحدار نحو الطأفنة.
يمكننا القول ان العراقيين تعلموا من تجربتهم رغم أكلافها وأثمانها الباهظة، وثمة شعب عربي آخر ينتظره اختبار مثل هذا الذي دخله العراقيون هم السودانيون.
ففي ذلك البلد ذي التقاليد المدنية والديمقراطية العريقة، أجمعت الحركة الشعبية لتحرير السودان على تسمية مرشح تعود جذوره إلى الشمال هو ياسر عرمان في الانتخابات الرئاسية الأولى منذ 21 عاما.
فياسر عرمان عربي شمالي التحق بالحركة الشعبية لتحرير السودان في بداياتها الأولى في ثمانينات القرن الماضي وكان احد مساعدي قائد الحركة الراحل جون قرنق. لقد رشحته منافسا للبشير مراهنة على إمكانية اجتذاب الناخبين الشماليين، إذ أن أصوات الجنوبيين تبدو مضمونة لصالح عرمان.
وفي هذا الترشيح ما يستجيب لإحدى الحقائق الكامنة في نفوس الشماليين من ثمار الصراع المرير بين الشمال والجنوب في تاريخ السودان. فالشماليون مازالوا يصارعون في دواخلهم حقيقة أن يكون رئيسهم جنوبيا، ولربما أن هذه الحقيقة الكامنة تفسر ذلك العناد التاريخي الذي التصق بسياسيي الشمال حيال مطالب الجنوبيين وتمردهم.
ولربما أن ترشيح عرمان يأتي استجابة أيضا لحقيقة أخرى هي استفتاء تقرير المصير المقرر للجنوب في يناير 2011، حيث قرر رئيس الحركة ونائب رئيس الجمهورية سيلفا كير أن يكون مرشح الحركة لحكومة الجنوب، فبوصلة صناديق الاقتراع في الجنوب ليست مضمونة لصالح البقاء ضمن حدود السودان الموحد أو الانفصال.
لكن يبقى ترشيح ياسر عرمان محتفظا بمغزاه القوي، فالترشيح الكثيف له حتى في حال خسارته، سيعني حتما أن السودانيين يملكون الدوافع والحنين نفسه لدولة علمانية بعيدة عن مظلة الايدولوجيا التي ارتبطت في الأذهان كما دلت عليه التجربة بالاحتراب الطائفي.
كاتب وصحافي بحريني
