أمر طبيعي أن تشعر أميركا بالإهانة الحقيقية حين فاجأتها حكومة نتنياهو بقرارات الاستيطان الجديدة في القدس والضفة أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي للكيان الصهيوني.

وأمر طبيعي ألا يشعر العرب بمثل هذه الإهانة بعد أن تعودنا عليها!! صحيح أن الشارع العربي تحرك بعد ذلك (ولو على استحياء) ولكن كان التحرك بسبب احتفال إسرائيل بافتتاح «كنيس الخراب» في محيط المسجد الأقصى، وعلى خلفية المشاعر الدينية والخوف على الأقصى، أما قرارات الاستيطان فتمر بهدوء أو ببعض الشجب.

وهذا هو ما يفهمه نتنياهو وما يريد توصيله للإدارة الأميركية التي يحملها مسؤولية أي تعطيل لمشروعات الاستيطان ومخططات استكمال تهويد القدس، وحينما بدأ الرئيس الأميركي أوباما تحركه لمعالجة القضية الفلسطينية في إطار سعيه لتحسين العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي التي كانت قد وصلت إلى أسوأ حالاتها مع إدارة سلفه الرئيس بوش، لم يكن في ذلك ما يشعر حكومة إسرائيل بالقلق، فلا بأس بمثل هذا التحرك مادام يخدم المصالح الأميركية.

وهي تعرف جيداً كيف تجعله ينتهي إلى لا شيء كما حدث في كل المرات التي تحركت فيها أميركا لتهدئة الأوضاع على الجانب العربي مثل حرب الخليج الثانية أو احتلال العراق.

لكن القلق الإسرائيلي جاء مع طلب أوباما الإيقاف التام للنشاط الاستيطاني، وهو ما رفضته إسرائيل بحزم وانتهى الأمر بهزيمة أوباما، واضطرت الإدارة الأميركية للتراجع، وبقي الرئيس الفلسطيني أبو مازن لفترة متشبثاً بما وعد به الرئيس الأميركي، ولكنه في النهاية قبل التفاوض غير المباشر وبغطاء عربي من وزراء الخارجية العرب.

وكان المفترض أن يسعد نتنياهو وحكومته فقد تحقق له ما أراد.. نزل أبو مازن (ومعه العرب) من على الشجرة التي اعتلوها مع وعود أوباما الأولى، ونجحت خطته وخطة وزير خارجيته ليبرمان التي تقوم على أن الفلسطينيين تفاوضوا لستة عشر عاماً في ظل الاستيطان المستمر، وعليهم أن يتوقعوا ستة عشر عاما أخري من التفاوض والاستيطان معاً، وبعدها لن تكون هناك حاجة للتفاوض وتكون قد تمت مخططات التهويد!!

وكان نتنياهو يعرف بالتأكيد أن حكاية مهلة الشهور الأربعة لا تعني الكثير، وأن الفلسطينيين والعرب لن يجدوا أمامهم طريقاً آخر إلا الاستمرار في التفاوض بعدها في ظل انعدام البدائل، وأن الإدارة الأميركية لن يكون أمامها أيضا أي خيار سوى استمرار التفاوض مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والحاجة للوبي اليهودي المؤثر.

فلماذا وقد خرج رابحاً من الجولة الأولى في المواجهة مع أوباما، وفرض ما يريد على الفلسطينيين والعرب، يلجأ نتنياهو إلى ما لجأ إليه ويوجه هذه اللطمة المهينة للإدارة الأميركية؟

الأمر هنا لا يتعلق بفرص للسلام يعرف نتنياهو جيداً أنها مغلقة، ولا يتعلق بوعود من أوباما يمكن إجهاضها من خلال كونجرس موالٍ لإسرائيل.

ولكنه ربما يتعلق بما بدأ تسريبه عن موقف المؤسسة العسكرية الأميركية التي ترى في تلاشي الأثر الايجابي للجهود الأولى لأوباما وعودة الرؤية السلبية من الشارع العربي تجاه الولايات المتحدة خطراً أصبح يهدد المصالح الأميركية بالفعل، وأن أميركا إذا كانت تحتاج لتعاون إيران معها للخروج الآمن من العراق ولتحقيق النصر في أفغانستان، فإنها تحتاج أكثر لمساندة عربية وإلا انقلب الأمر عليها وتعقدت الأمور في العراق وساء موقفها في أفغانستان.

وكانت ترجمة هذا الموقف الذي أبلغته المؤسسة العسكرية الأميركية لتل أبيب عند زيارة رئيس الأركان الأميركي، ليس فقط أنه لا حروب الآن من جانب إسرائيل ضد العرب، بل أيضا أن تقدم شيئاً يقنع العرب بجدية التحرك الأميركي في قضية فلسطين.

احتمال آخر أن يكون نتنياهو قد توصل إلى يقين بأن الإدارة الأميركية قد استقرت على أن تحقيق أهداف السياسة الأميركية سواء في العراق أو أفغانستان أو حسم الموقف مع إيران (اتفاقاً أو صداماً) لا يمكن أن يتم بوجود حكومة نتنياهو وما تثيره من عقبات.

وربما يكون قراره بفتح المعركة مع إدارة أوباما هو الرد الاستباقي على محاولة إسقاطه، لتجيء حكومة لن تعطي هي الأخرى للفلسطينيين شيئاً كبيراً، ولكنها ستعطي لأوباما ما يساعده على عبور هذه المرحلة الصعبة.

هكذا رد نتنياهو بقراره المهين لأميركا، ليقول لها إنه هو الذي يعرف المنطقة، ويعرف كيف يتعامل مع العرب أكثر من الإدارة الأميركية بجناحيها المدني والعسكري، وليؤكد لها أنه سيقاوم محاولة إسقاطه ليكون الثمن كبيرا على العرب وعلى أوباما وإدارته.

وإذا كانت إدارة أوباما قد ابتلعت الاهانة لأنها لا تستطيع مواجهة الكونجرس واللوبي اليهودي الآن، فإن نتنياهو يعرف ـ من أزمة سقوطه السابق في ظروف مماثلة ـ أن القصة لم تنته، وأن أوباما سيكون مطالباً بأن يرد الإهانة في التوقيت الذي يناسبه وإلا فقدت إدارته ما تبقى لها من مكانة، في المنطقة وفي العالم.

أين نحن من هذا كله؟ سؤال لا ينبغي طرحه مادام الانقسام الفلسطيني قائماً، ومادام النظام العربي يبحث عن «الستر» أمام جماهير لم تعد تملك إلا توقع الأسوأ أو انتظار المعجزة.

كاتب صحافي مصري

aref_galal@yahoo.com