تظل نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية قادرة على استقطاب اهتمام كل المعنيين بالشأن العراقي، فهي تكشف كل يوم عن المزيد من المفاجآت، مع إعلان مفوضية الانتخابات عن أحدث ما لديها من نتائج، وهو ما يكشف في مجمله، كما سبق لنا أن توقعنا، عن وضوح تعمق الخلافات والانقسامات، على الرغم من تفكك التكتلات الطائفية والعرقية الكبرى.
على الرغم من الأهمية الكبرى للانتخابات، إلا أنها تظل مجرد بداية، مجرد منعطف آخر في مسار طويل من العمل الوطني، أو هكذا ينبغي أن تكون. وأياً كانت طبيعة الحكومة التي ستسفر هذه الانتخابات عن ظهورها، فإنها سيتعين عليها أن تواجه حشداً من التحديات الأكثر صعوبة، والتي طال تأجيل التصدي لها أكثر مما ينبغي.
وفي مقدمتها التحدي المتعلق بإعادة الإعمار. لكن كيف يمكن أن تعيد الإعمار ما لم تمهد الأرض التي ستشهد الجهد الذي سيبذل في هذا الصدد؟
إن تمهيد الأرض يفترض تخليصها من شوائبها، تنظيفها، وتطهيرها. وتلك مهمة تبدو هائلة حقاً في حالة العراق، إذا تذكرنا ما تركه الاحتلال، ولايزال يتركه، من بصمات وحشية على العراق حاضراً ومستقبلًا، وهو ما يفرض إعطاء أولوية مطلقة للتعامل مع هذه البصمات، وهذا التعامل لابد له من أن يمر بالملفات التالية:
أولاً ـ إن من لقوا مصرعهم من العراقيين في غمار الغزو وبفعل الحرب والاحتلال اللذين تعرض لهما العراق يبلغ عددهم الآن، بحسب تقدير موقع «إنفورميشن كليرنغ هاوس» 1366350 قتيل، يضاف إليهم أضعافهم من الجرحى.
ويضاف إلى هؤلاء أضعافهم من المنفيين في أقطار الدنيا، وهؤلاء جميعاً ينبغي أن تدرس حالاتهم وتعرف تفاصيلها، ويحاسب من يمكن مساءلتهم قانونياً عما اقترفوه بحقهم، ويتعين أن يعوض كل من يمكن تعويضه عما حل بساحته، ويرد كل من تسمح حالته إلى وطنه وإلى حياته الطبيعية، وفقاً لمبدأ الاختيار الحر.
ثانياً ـ يتوقف مستقبل العراق كله على ما إذا كان سينال حريته بانسحاب القوات الأميركية من أراضيه، وفق البرنامج الزمني الذي اقترحه الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومن المؤكد أن الكثير يتوقف على النتائج، التي ستترتب على الضغوط التي تفرضها قوى وتيارات عديدة في واشنطن تدفع باتجاه استمرار القوات الأميركية في العراق إلى أجل غير مسمى، وتحويل برنامج أوباما إلى وعد آخر من وعوده التي لم تتحقق.
ثالثاً ـ يلفت النظر أنه لا البرلمان ولا الحكومة العراقيان بادرا إلى فتح الملفات، في ما يتعلق بالأموال العراقية المنهوبة في ظل الاحتلال، وحتى إذا كانت وضعية العراق كبلد محتل لم تسمح حتى الآن بذلك.
فإن الحد الأدنى ينبغي أن يتمثل في طرح هذه القضية في أطر الشرعية الدولية، على الأقل إثباتاً لحق العراق إن لم يكن تحصيلاً لهذا الحق، فنحن نتحدث هنا عن 150 مليار دولار مخصصة لبرامج الإعمار العراقية، تتألف من 53 مليار دولار اعتمدها الكونغرس الأميركي لهذا الغرض، والباقي مصدره الأصول العراقية والتعهدات من قبل الدول المانحة، وقد قام المحققون الأميركيون في جرائم النهب والفساد التي تعرضت لها هذه الأموال بفتح 50 قضية خلال الأشهر الستة الأخيرة وحدها.
رابعاً ـ على ذمة صحيفة «برافدا» الروسية، فإن قائمة مؤلفة من 13 ألف قطعة أثرية وفنية عراقية قد تم إعدادها وتقديمها لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، قبل أن يضع جندي أميركي واحد قدمه على أرض العراق. وبالمقابل أعلنت منظمة اليونيسكو أنه عندما تعرض المتحف الوطني العراقي ببغداد للنهب في إبريل 2003، فإن عدد القطع التي اختفت منه كان 13 ألف قطعة على وجه التحديد.
خامساً ـ يظل ملف النفط العراقي، الملف الأكثر أهمية في العراق، والأشد جدارة بالتدقيق، ويلفت نظرنا أن منهاج التعامل بالمزاد الدولي مع مشروعات تطوير الحقول النفطية المتبع حالياً يتناقض مع صميم المنهاج الوطني العراقي التقليدي في هذا الميدان، وتظل آلية توزيع عائد النفط معضلة حقيقية، حيث إن الآلية المتبعة حالياً لا تترك هامشاً يذكر لمشروعات التنمية الحقيقية.
وعلى الرغم من الأهمية الاستثنائية لهذه الملفات جميعها، إلا أن الملف الثالث المتعلق بمطاردة الأموال العراقية المنهوبة يستحق أن يعطى أولوية متقدمة في اهتمامات أي حكومة عراقية مقبلة، ففي الوقت الحالي تتابع المعلومات المتعلقة بالعمليات المالية المشتبه فيها بالنسبة لأموال إعادة إعمار العراق هيئة حكومية أميركية تعرف باسم «شبكة ضبط الجرائم المالية» المعروفة اختصاراً باسم «فنسن» التي تدعم 275 هيئة حكومية أميركية.
وضمن القضايا التي يجري الاشتغال عليها حالياً، قضايا قام فيها مسؤولون في قوة احتلال العراق بملء حقائب بأموال عراقية والانطلاق بها إلى بلادهم لدى مغادرتهم العراق، أو تحويلها بالبريد إلى أنفسهم، أو نقل ملايين الدولارات عبر تحويلات مصرفية، أو إخفائها في حسابات مصرفية في غانا وسويسرا وهولندا وبريطانيا.
ويتوقع المحققون الأميركيون أن يتم فتح عشرات القضايا المماثلة بحلول نهاية العام الجاري، وفي غضون ذلك تلقي إحصاءات وزارة العدل الأميركية أضواء مروعة على التحقيقات الراهنة، بما في ذلك التحقيقات التي يجريها مكتب المفتش العام لبرنامج إعادة الإعمار العراقي.
حيث تم توجيه 35 اتهاماً، وتأكيد 27 إدانة بالتحايل والغش، ولكن عدد الإدانات يرتفع إلى 58 عندما تضاف القضايا التي تتابعها هيئات حكومية أميركية أخرى.
لكن السؤال الكبير هو: أين التحقيقات العراقية؟ أين التحرك الرسمي العراقي لضمان أن أموال العراقيين لن تظل منهوبة؟ أم أن هناك من يريدون تأجيل هذا كله إلى أن يصبح نسياً منسياً وجزءاً من تاريخ سرعان ما تطوى صفحاته؟
