سلوك حكومة نتنياهو أثناء زيارة بايدن وإعلانها المضي قدماً في بناء مزيد من الوحدات السكنية في المستوطنات في الضفة والذي اعتبرته كلينتون إهانة لواشنطن، أول أو أحد المسامير المرئية التي تدق في نعش الإمبراطورية الأميركية الآيلة إلى السقوط منذ عقود.

هذا التطور الدراماتيكي في الخارطة الجيوسياسية الدولية ليس الأول ولن يكون الأخير، فهذا هو حال جميع الإمبراطوريات عبر التاريخ لها خط بياني يبدأ بالصعود ويصل إلى الذروة قبل أن يهوي نزولًا، جاء على خلفية إدراك تل أبيب لمعالم تلك الخارطة المستقبلية فراحت تبحث عن بدائل.

وعن مركز إقليمي خاص بها ومستقل قدر الإمكان عن المركز الإمبريالي الأميركي، الذي تلقف الدولة العبرية من بين يدي إمبراطورية غربية أخرى سابقة كانت الشمس لا تغيب عن أراضيها كما يقال.

سلوك نتنياهو التصعيدي تجاه أقرب حلفاء كيانه ليس غريباً ولا ينطوي على أي جديد، بل إنه لو لم يسلك هذا المسلك لكان مستغرباً على حكومة من أشد الحكومات الإسرائيلية تطرفاً، لكنه تزامن مع حوار أجريته، مؤخراً، مع المفكر المصري دكتور جلال أمين، لم يتوان فيه عن تأكيد أن العلاقة بين الدولة العبرية وواشنطن آخذة بالانفكاك على قاعدة تلك الخارطة الجيوسياسية الدولية المرتقبة.

وبذلك يبدو أن بعض الأكاديميين العرب باتوا يعولون على عوامل خارجية من نوع آخر للخروج من المأزق الذي يواجهونه منذ احتلال فلسطين، ما يشكل اعترافاً في الوقت نفسه بأن الوطن العربي يفتقر إلى آليات الدفع الذاتي وكأنه في حالة سبات أو موات.

وبالتالي فإن المدد الخارجي يصبح ضرورياً في هذه الحالة على أساس القاعدة القائلة بأن إضعاف صديق عدوك هو إضعاف لعدوك، لكن يبدو أن المعولين على العامل الخارجي يغفلون عن أن العامل الخارجي الجديد وبغض النظر عن اسمه ومن أي قارة سيستهل مسيرة إخراج المنطقة من مأزقها التاريخي ليضعها في مأزق تاريخي آخر، سيجلب معه بدوره توجهاته ومصالحه وأدواته وسطوته.

وكما هي العادة، فإن العامل الخارجي الجديد المحتمل سيجد قوى محلية يتحالف معها، وتقدم له شرعية الوجود في ربوع المنطقة، وبما أن هذا لن يبدل في المعادلة الداخلية شيئاً، لا بل إن من شأنه أن يخلق قوى تابعة جديدة، فإن الأمر برمته لن يخرج عن إطار لعبة التقاسم الوظيفي بين مكونات العامل الخارجي وعناصر في المعادلة الداخلية، على غرار ما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال.

bassil@albayan.ae