على مراحل، ومرحلة وراء مرحلة، يواصل الصهاينة سعيهم الاستيطاني التوسعي لتحقيق مشروعهم الصهيوني الذي لم يكتمل بعد، بدءا من المطالبة بوعد بريطاني ب«وطن قومي» لليهود في فلسطين عام 1917، ومرورا بإقامة دولة يهودية» للصهاينة في فلسطين عام 1948 وليس انتهاء بما احتلوه من أراض عربية عام 1967 وفي قلبها «القدس».
وانطلاقا من «إسرائيل الصغرى» التي أقاموها على حساب حقوق شعب فلسطين لا تزال مساعيهم مستمرة خطوة خطوة، لإقامة مشروعهم الاستعماري التوسعي القديم المعروف ب«إسرائيل الكبرى» الممتد من الفرات في العراق إلى النيل في مصر، على حساب كل العرب، مسلمين ومسيحيين، وواهم من يتصور أن مشروعهم ينتهي عند حدود يونيو 1967.
وعلى الأساطير وليس على حقائق التاريخ، وعلى الادعاءات الصهيونية التي تتخفى وراء الدين اليهودي بينما صحيح الدين اليهودي منهم براء، فرض المهاجرين المستوطنين الصهاينة بالإرهاب والقوة بمساعدة المستعمرين الإنجليز القدامى كيانهم الغاصب على «جل فلسطين» بعد فتح بريطانيا ابواب فلسطين للمهاجرين اليهود بما زاد أعدادهم من مجرد 60000 عام 17 إلى عشرة أضعاف، أي إلى 600000 يهودي عام 48 مع تهجير معظم الشعب الفلسطيني من ديارهم.
وبالقوة والعدوان بمساعدة المستعمرين الأميركان الجدد، احتلت تلك الدولة الصهيونية الغاصبة «كل فلسطين» في حرب يونيو عام 67، بعد استيلائها.
إضافة إلى أراض ثلاث دول عربية، على قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها مدينة «القدس» التي تضم أغلى المقدسات الإسلامية، ففيها الحرم القدسي الشريف بالمسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة المشرفة، مثلما تضم المقدسات المسيحية ككنيسة القيامة العريقة، وكانت الضفة تحت الحكم الإداري الأردني، فيما كان القطاع تحت الحكم الإداري المصري، منذ عام 48 كأمانة لحين تحرير فلسطين.
وبينما كانت حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين تحت الانتداب البريطاني هي وسيلة الحركة الصهيونية العالمية للاستيلاء بالإرهاب على جل فلسطين وإعلان دولتهم، وللاستيلاء بالحرب على كل فلسطين، كانت حركة «الاستيطان» هي وسيلة الدولة الصهيونية لتهويد القدس وطرد سكانها العرب المسلمين والمسيحيين وإعلان دولتهم على أساس ديني «كدولة يهودية» تمهيدا لطرد بقية العرب الفلسطينيين من فلسطين 48.
إن 62 عاما منذ احتلال جل فلسطين، و42 عاما منذ احتلال كل فلسطين، مرت على الحفائر الأثرية الصهيونية المستمرة في الأراضي المحتلة لم تكشف حتى الآن عن أي دليل يدعم مزاعمهم التاريخية لتبرير استيلائهم علي القدس أو على أرض فلسطين، بينما الدليل قائم على بطلان دعواههم الدينية في اغتصاب فلسطين.
ويكفي أن حاخامات حركات دينية يهودية عالمية كحركة «ناطوري كارتا»، تعتبر أن الصهيونية شهادة زور على اليهودية، وأن «الدولة الإسرائيلية» جناية على صحيح الديانة اليهودية.
وبرغم ذلك الباطل المفضوح في المشروع الاستعماري الصهيوني، في مقابل الحق الكامل الوضوح في المشروع التحريري العربي، لم يستطع أصحاب الحق الواضح من العرب والمسلمين استعادة الأرض الفلسطينية المغتصبة عام 48.
ولا استطاعوا تصفية آثار عدوان 67 باستعادة الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس الشريف الأسيرة، وقطاع غزة المحاصر، لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 67، وهي تمثل فقط 20% من فلسطين التاريخية، ولو في مقابل الاعتراف بدولة إسرائيل بمايعني التنازل عن 80% من فلسطين التاريخية..
لم يستطيعوا ذلك حتى اليوم، لا بالحرب ولا بالسلام! ذلك أنه لايكفي أن تكون صاحب قضية عادلة لكي تستعيد حقك المسلوب، مالم تكن مدافعا قويا ذا إرادة وذكيا ذا عقل أمام محكمة عادلة، وفي حالتنا العربية والفلسطينية فمن أين تأتي القوة مع اختلاف الرؤى والمواقف والسياسات وغياب وحدة الهدف والصف عربيا وفلسطينيا.
وكيف يتوفر الذكاء، بينما أولى دروس صناعة القوة هي الوحدة الوطنية والوحدة العربية والتضامن الإسلامي غائب، وأولى دروس صناعة إرادة النصر هو الإيمان، «إنما تنصرون بإيمانكم»، و«إن تنصروا الله ينصركم».. فهل نحن متحدون فعلا أو مؤمنون حقا؟!
إن مايجري هذه الأيام في فلسطين عموما وفي القدس خصوصا منذ يوم الثلاثاء الماضي من اشتباكات ومواجهات بين المواطنين العرب المقدسيين في القدس الأسيرة ومن المواطنين العرب الفلسطينيين الشيوخ والنساء والشباب في غزة المحاصرة ومدن الضفة المحتلة، الفلسطينيين العزل من أي سلاح، ويدفعون من دمائهم وحرياتهم ثمنا غاليا، في مواجهة قوات مدججة بكل عتاد الحرب والبطش،إنما يدافعون بصدورهم العارية عن الأقصى وعن القيامة مقدسات كل العرب وكل المسلمين.. ولا يجب أن يبقوا وحدهم صامدين.
في النهاية.. تبقى قضية الأقصى هي جوهر قضية القدس التي هي جوهر قضية فلسطين، وتبقى قضية تحرير فلسطين هي جوهر قضايا كل العرب وكل المسلمين، والسماح بتهديد الأقصى أو تهويد القدس إنما هو المقدمة الأولى لتهويد كل فلسطين ولتهديد كل العرب والمسلمين..
لذا يجب أن يبقى الأقصى هو الخط الأحمر وتبقى القدس هي حائط الدفاع الأخير في مواجهة استمرار عدوان المشروع الاستعماري الصهيوني في ظل استمرار تراجع المشروع العربي.
ولعل القادة المسؤولين في قمة ليبيا العربية المقبلة بعد أيام يقفون مع أنفسهم وقفة واحدة متوجهين لقبلة واحدة استجابة لنداء المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يؤكدون بها لشعوبهم أنهم قادرون على استعادة وحدتهم وعلى اعلاء إرادتهم، بتوحيد أهدافهم وصفوفهم، وورؤاهم ومواقفهم، وباستجابة شجاعة لكل مايوجههم من تحديات وتهديدات عدوانية صهيونية، وذلك بتقديم الأساسي على الفرعي.
والكلي على الجزئي، والمبادئ على المصالح، ومايجمعهم على مايفرقهم. لكن، لافائدة من الأقوال دون الأفعال، ولا جدوى من الأفعال بينما عدونا واحد فيما نحن غير موحدين، الفلسطينيون منقسمون، والعرب متفرقون، والمسلمون مختلفون، والجدوى الحقيقية في المقاومة لا المساومة وفي المواجهة لاالتراجع، وفي مواجهة التحدي نحقق الوحدة، وبالوحدة نحقق القوة، وبالقوة نحقق النصر.