التمعن في ثقافة التحدي يدفعنا أولاً لمعرفة معناها. لا مجال هنا للحديث عن مفهوم الثقافة بشكل عام، ولكن تركيزنا على عنوان هذا المقال.

فمن تجارب الماضي يبدو أن التحدي يصنع التاريخ، لكن ذلك ليس أمراً مطلقاً، بمعنى أن له شروطاً لا بد من توفرها. ومسألة التحدي على مستوى الأفراد والشعوب والدول وقبول التحدي، معناه بناء التحدي المضاد.

وحين نتكلم في الجانب الإيجابي لنخلق الإبداع والتقدم، لا بد من تحدي التخلف بالعلم والتنوير والاجتهاد والعمل الدؤوب. فالشباب الذي يريد أن يكون له مستقبل جيد، عليه أن يتعلم ويتثقف ويجتهد.

والدولة التي تريد أن تحدث تنمية وتقدماً في بلادها، لا بد أن تكون لها استراتيجية وأن تطبقها ببناء الموارد البشرية واستثمارها، والمجتمع الذي يسعى للتقدم والنهوض، على قواه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تقبل التحدي وتمارسه حتى تتحقق أهدافها.

وقبول التحدي وممارسته يحتاجان إلى تضحيات قد لا نرى نتائجها في حياتنا أو جيلنا، ولكنها ستكون في المستقبل لأجيالنا المقبلة. ويعتقد البعض أن قبول التحدي هو نوع من المغامرة أو الانتحار أحياناً، ويؤمن بنظرية لنترك الأمور للزمن والظروف لحلها!

وهذا يعني إبقاء الوضع الراهن والواقع على ما هو عليه والاستسلام له. ولو كان ذلك صحيحاً لما تقدمت اليابان وغيرها من الدول التي قبلت التحدي ودخلت الحضارة المعاصرة باقتدار.

ولا بد من خلق ثقافة التحدي في مجتمعاتنا ولدى شبابنا، عن طريق نقد الواقع بهدف تطويره للأفضل، وهناك بطبيعة الحال ثقافة مضادة قد تعتبر النهج النهضوي تحدياً لها.

المهم أن نقتنع بأن ثقافة التحدي مهمة لتحقيق الإنجازات التاريخية، بالعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية في مسيرة التقدم، وعندها ندرك أن هذا النوع من الثقافة مهم وعلينا أن نعتمده منهجاً وأسلوب حياة، فلم تبنى النهضات والحضارات إلا بثقافة التحدي.

وقد تكون هذه الثقافة غير مقبولة في بدايتها وتواجه معارضة أصحاب المصالح، أو الذين يؤثرون الكسل والراحة ويرغبون العيش كحيوانات تأكل وتنام، فمسألة بناء ثقافة للتحدي ليست سهلة، لكن لا بد منها للشعوب الناهضة.

أما المعوقات أمام ثقافة التحدي فهي عديدة، منها: أن الظروف والمتغيرات في الواقع قد تجهض أو تؤخر بث ثقافة التحدي، لأن التحدي مرهون بالاستجابة، وقد لا تكون الظروف مهيأة لذلك.

والمعوق الآخر هو الثقافة المضادة، لأن للفعل رد فعل وللتحدي تحد مضاد، وقد تكون إمكانياته أكثر وأقوى فتؤثر على انتشار وتعميق وتأثير ثقافة التحدي. فعلى سبيل المثال، يرغب المستنيرون في مواجهة التعصب القبلي والطائفي الذي يؤثر بالتأكيد على الوحدة الوطنية، لكن قد تجد ثقافة التعصب القبلي والطائفي أقوى في فترة أو مرحلة معينة، من ثقافة التحدي القائمة.

وثالث هذه المعوقات قد يكون ثقافة التحدي نفسها وأصحابها، وعدم قدرتهم على فهم الواقع والتعامل معه، أي أزمة ذاتية تعانيها ثقافة التحدي، حين يكون مفهومها أو أهدافها غير محددة وواضحة، أو لضعف المنادين بها واختلافهم. وعلى سبيل المثال مرة أخرى، كيف نبني ثقافة التحدي للهجمة الصهيونية على العرب وما مدى قدرتهم على المواجهة؟

وبإلقاء نظرة على الواقع العربي، قد يتساءل البعض؛ وهل حققت ثقافة التحدي العربية مكاسب وإنجازات؟ دون شك قد تحققت إنجازات بسبب تلك الثقافة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بيد أنه في الوقت نفسه هناك سلبيات وانتكاسات، لأسباب عديدة. فثقافة التحدي تحتاج إلى تحديد المفهوم وأهدافه، ومدى ملاءمتها ومواءمتها لتطور الواقع.

ففي عصر التطرف الديني الذي نعيشه، هناك ردة في كثير من مناحي حياتنا، كانت قبل عقود أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم، وانتشرت الفتاوى من متدينين حزبيين صغار السن والخبرة، أدت إلى انتكاسة ثقافية واجتماعية لها بطبيعة الحال آثارها وانعكاساتها السياسية، سواء في ما يتعلق بحقوق المرأة أو في مسألة الحريات أو الفهم الصحيح للدين الحنيف أو غيرها.

لقد حققت ثقافة التحدي مكاسب عديدة، بيد أن السلبيات ضدها أكثر من إيجابياتها في وقتنا الحاضر، لأننا نعيش فترة استثنائية تتراجع فيها قيم الخير، إلا أنها حتماً ستنتصر في المستقبل. لكن هذا الانتصار لا يأتي لوحده أو صدفة، بل بالإرادة وبالعلم والعمل وبالنهج العقلاني والديمقراطي.

هل نحن فعلاً بحاجة إلى ثقافة التحدي الآن؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بد أن نلتفت إلى واقعنا العربي، فإذا كانت الأمور طبيعية ولا نعيش مشكلات أساسية، فنحن لا نحتاج إلى هذه الثقافة.

ولكن إذا ثبت أن أوضاعنا العربية تعاني من مشكلات صعبة تعرقل النهوض والتقدم، فإن ثقافة التحدي ضرورية للخروج من الأزمة أو المأزق الذي نعيشه. وكما ذكرنا فإن ثقافة التحدي لا تعني اللجوء إلى العنف، بل نقد الواقع بموضوعية وعلمية وعقلانية، ومن ثم العمل على تغييره إلى الأفضل.

إن المجتمعات النامية، ونحن منها، بحاجة إلى تلك الثقافة، ولا تكفي واقعة أو مثال فردي على وجود تلك الثقافة، بل يجب أن تكون نهجاً لدى النخبة ولدى عامة الناس، وأن نضغط باتجاهها سلمياً، وفي إطار القانون.

فدبي اليوم، في قضية اغتيال المبحوح، تساهم في بناء ثقافة التحدي ضد الصهيونية التي اخترقت سيادة الدول العربية، وهي بحاجة إلى دعم لتكون تلك الثقافة عامة عربياً، فقد تمادى الصهاينة في تحدي العرب دون أن تكون لدينا ثقافة التحدي المناسبة، وآن الأوان لوجودها.

كاتب كويتي

dr.tamimimalek@yahoo.com