فعالية الإدارة وجودة التعليم وجودة الصحة، كلها قضايا تشكل قلقاً لأصحاب القرار، فهم إذ يرون التراخي وربما التدهور في الفعل الإداري وفي الحالة الصحية والتعليمية، بل وفي الحالة التي بات يتصرف عليها الناس في الأماكن العامة، فإن ذلك دون شك سيكون بالنسبة لهم عامل قلق يبحثون له عن حل، من خلال البحث في النماذج الأخرى العالمية التي استطاعت أن تحقق نقلات نوعية مهمة في فعلها الإداري وفي حالتها المجتمعية بشكل عام.
وإذا كانت النماذج الأوروبية تشكل بالنسبة لنا نماذج نجاح، فإن الانبهار بالحالة المتحققة في بعض الأقطار الآسيوية الصغيرة، يجعل منها بالنسبة لنا حالة نجاح مهمة لتجاوز المشكلات والإخفاقات المحلية.
ورغم الأهمية التي تحتلها هذه المشكلة، إلا أن تعامل البعض معها في المنطقة بات أقرب إلى حالة ردات الفعل الموسمية، التي تختفي باختفاء تلك الشحنات الانفعالية التي شكلت الفعل في حالته الأولى.
ثم ان هذه القضايا وغيرها، قد بات الكثير من الشركات والمؤسسات التجارية يتعامل معها من خلال رفع معدل الجودة والأداء وكأنها معادلات جامدة، لا تعير الجانب الإنساني والثقافي أية أهمية تذكر.
ولكونها مؤسسات خبرة أجنبية في معظمها، فإن إيمان البعض بها قد بات مطلقا، بل إن الأخذ بمقولاتها وأطروحاتها قد أصبح أقرب إلى حالة الموضة.
فقبل عشر سنوات مضت، هبت على بعض مؤسساتنا موضة «الأوزو»، التي باتت عند البعض مرادفة للجودة. وهي حالة قد أخفت في باطنها كل المضامين التجارية الأخرى، التي من خلالها آثر بعض الشركات الأجنبية تطبيق معادلات الجودة الخاصة بها، والتي لا تكلف تلك الشركات إلا قيمة الدليل (المانيويل) الذي بات هو الآخر متوفرا في الاسواق.
فنحن قد تعاملنا مع مؤشرات الشفافية والمؤشرات الأخرى، وربما مع قضايا ومسميات أخرى، بقدر من الانفعال الإعلامي الذي يخرجها عن مضامينها الأساسية، بل إن الإعلام بات بالنسبة للبعض منا هو مقياس الإنجاز أو هو معيار حكم الآخر على إنجازه.
ولا أعرف حقيقة ما إذا كانت إنجازات المرحلة السابقة، قد انعكست بشكل أو بآخر على وضع بعض دول المنطقة على مؤشرات التنمية البشرية للأمم المتحدة، وهي مؤشرات رغم جنوحها الكمي إلا أنها تعكس قدرا من المؤشرات الكيفية المهمة.
وأعتقد أن دول الخليج استطاعت أن تحقق قدرا مهما من التغير الكيفي، من خلال مصفوفة خدماتها الاجتماعية، وهي تغيرات قد يخفي جزءا مهما منها الحالة التي يرى فيها البعض حالة إخفاق في جوانب معينة.
فمثلا قدرة بعض الخدمات الاجتماعية على تحقيق قدر من الإنجاز، قد انعكس على مجموعة من المؤشرات النوعية المهمة التي قد نجدها في الجانب الصحي، على سبيل المثال، حيث ارتفاع معدل عمر الفرد الذي بات يتجاوز سن الخمسة والسبعين، وانخفاض واضح في معدل وفيات الأطفال الرضع، الذي انخفض إلى ما دون العشرة في الألف.
وكذلك في التطور الكمي والكيفي الكبير في الخدمات الصحية، التي باتت تضاهي في بعض حالاتها مثيلاتها في بعض الدول المتقدمة. بل إن بعض الخبرات الطبية المحلية، لا تقل كفاءة وخبرة عن مثيلاتها هناك.
أما على الجانب التعليمي، فان مؤشرات انخفاض معدلات الأمية في بعض أقطار المنطقة إلى ما دون العشرة في المائة، ووصول كل الأطفال في سن الدراسة للمدرسة، وارتفاع إجمالي الداخلين في العملية التعليمية بمستوياتها المختلفة، وقدرة العملية التعليمية في بعض حالاتها على أن تكون إطارا مهما لاكتساب المعرفة، كل ذلك إنما يعبر عن قدر من التحول الكيفي في احتساب التحول.
وأعتقد أن ما قد يقال عن إخفاقات كيفية في العملية التعليمية، إن هو إلا نتاج لثلاثة من الأسباب الرئيسية، يتمثل أولها في تدني مستوى المدخلات التعليمية، وتحديدا انخفاض مستوى تأهيل بعض مدرسي المدارس العامة، ليس من الناحية المعرفية والعلمية فحسب، وإنما في افتقارهم للمهارات الفنية والاجتماعية التي تتطلبها عملية التعليم. بل في افتقار بعضهم إلى «حب» مهنة التدريس، وهي حالة باتت واضحة في أوساط قطاع مهم من العاملين في هذا القطاع.
كما أن البعض منهم لا يخضع قبل دخوله المدرسة إلى أي شكل من أشكال إعادة التأهيل المعرفي والثقافي، أو التدريب المسبق الذي يؤهله لدخول المدرسة والوقوف موقف المدرس.
ومن المهم القول إن ذلك لا ينطبق فحسب على القطاع المحلي من العاملين في مهنة التدريس، وإنما ينسحب مثل هذا القول على بعض العاملين الوافدين، وهي حالة قد تنسحب على المستويات التعليمية الأخرى.
أما السبب الآخر فهو تدني مستوى الكتاب المدرسي في بعض حالاته، أو تضمينه موجهات سياسية وقيمية لا تخدم العملية التعليمية ذاتها.
فالكتاب المدرسي، رغم المحاولات العديدة في المنطقة من أجل النهوض به، ما زال يعاني من مشكلات عدة قد لا تقتصر على تدني أو قدم المعارف المقدمة للطالب، وإنما في افتقار الكتاب المدرسي العربي في الغالب، للأسلوب والإخراج الفني الجاذب للطالب في هذه المرحلة العمرية من التعليم.
وهي حالة قد تشمل الكتاب الجامعي الذي يتسم بقدر من الضعف المنهجي والمعلوماتي، ويكشف عن ضعف وربما ركاكة في اللغة والأسلوب.
أما السبب الثالث والأخير، فهو ذلك المتمثل في ضعف البنية الأساسية المطلوبة لاكتمال العملية التعليمية، وبالتالي افتقار المدارس لإمكانية توظيف الأساليب التعليمية الجديدة، التي تعتمد في جزء كبير منها على الوسائط والتقنيات التعليمية الحديثة. بل إنها قد باتت تعتمد في بعضها على الحالة التكنولوجية الجديدة.
من هنا فإن الأخذ بالمدخل الكمي في معالجة الخلل في الأداء، لا يغني أبدا عن الولوج الكيفي في سبر أغوار المشكل، الذي يرى الخلل في جوانبه الثقافية والاجتماعية.
وهو مدخل لم يقاربه بعد الكثير من الكتابات والمعالجات. فالأخذ بمسميات الجودة الجديدة، لا يعالج الخلل إذا لم تكن هذه الجودة متجذرة كيفيا.
كاتب بحريني
