جمعني قبل سنوات ولساعات، برفقة أحد السفراء العرب في باريس، لقاء مع مجموعة من البرلمانيين الفرنسيين. كان ذلك قبل الانتخابات الإقليمية الفرنسية لعام 2004. أثناء الحديث سألت مستفسرا: عندكم انتخابات إقليمية وانتخابات محلّية وانتخابات بلدية، فما الفرق بينها؟
التفت أحد البرلمانيين صوب زملائه وقال: أتحدّى أي واحد من الحضور أن يجيب بدقّة عن هذا السؤال.
وقد عرفت فرنسا يوم الأحد الماضي الدورة الأولى من الانتخابات الإقليمية في دورتها الجديدة. و إذا كان من الصعب تحديد مضمونها بدقّة، هذا فضلا عن أن رهاناتها لا تعني من قريب أو بعيد العالم الخارجي، بما فيه عالمنا العربي، فإن دلالات نتائج دورتها الأولى.
وبغضّ النظر عن نتائج الدورة الثانية يوم الأحد المقبل، تعني الجميع من حيث أنها ترسم ملامح خارطة سياسية فرنسية «معدّلة» إلى حد كبير، وقد يكون لهذا أثره على خيارات فرنسا القادمة، وعلى سياساتها الخارجية، وأيضا على موقفها من المهاجرين الذين يشكل العرب والمسلمون المكوّن الأكبر بينهم.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدورات الأولى في جميع الانتخابات الفرنسية، تعكس موازين القوى السياسية الحقيقية وتوجهات الرأي العام، بينما تعتمد الدورات الثانية «الحاسمة» على تحالفات وتسويات يسارا ويمينا.
هناك مؤشران أساسيان أبرزتهما انتخابات الأحد الماضي. الأول هو عودة حزب الجبهة الوطنية، اليميني المتطرف، إلى الساحة بقوّة من جديد، عبر حصوله على نسبة تزيد على 11% من أصوات الناخبين.
والثاني هو أن «الخضر» الذين خاضوا الانتخابات تحت عنوان «أوروبا المدافعة عن البيئة»، أثبتوا من جديد أنهم يمثلون القوة الفرنسية السياسية الثالثة، بعد الحزب الاشتراكي، وحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، اليميني الحاكم.
الحزب اليميني المتطرّف بنى إيديولوجيته على مقولة «غزو المهاجرين» لفرنسا. وقد حرص رئيسه جان ماري لوبن، أثناء الحملة الانتخابية، على تكريم «شهداء الجزائر الفرنسية» في منطقة تولون في جنوب فرنسا، أحد معاقل حزبه. واحتوت الدعايات الحزبية في نفس المنطقة ملصقات على الجدران، تظهر عليها صورة سيدة ب«النقاب الكامل» وخلفها خارطة فرنسا التي تنتصب عليها مآذن عديدة.
بالتأكيد بروز هذه القوة من جديد له معناه، بعد أن كان الرئيس ساركوزي قد نجح في تهميشها، بل وبدا أنه «دفنها»، كما تدلّ سلسلة الانحسارات في جميع عمليات الاقتراع التي عرفتها منذ انتخابه رئيسا للجمهورية في شهر مايو ـ أيار.
وهو يجد اليوم نفسه، قبل الآخرين، مضطرا لأخذ هذا المعطى الجديد في الحسبان، في أفق الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2012. ذلك أن أصوات ناخبيها الذين كانوا قد اقترعوا بأعداد كبيرة للرئيس الحالي، ستكون أحد مفاتيح عمليات الاقتراع القادمة بالتأكيد.
والدرس الأهم لصعود «الخضر»، هو أن حركة «أنصار البيئة» لم تعد مجرّد مجموعة من المتظاهرين «الفولكلوريين» الذين يُقلقون راحة ممثلي الدول الصناعية ـ الملوّثة للبيئة ـ في منتدى دافوس وغيره. لقد أصبحت حركة تعبّر عن «قوة سياسية ذات قواعد ثابتة» لها وزنها.
وبالتالي تريد أن يكون لها صوتها على توجهات البلاد الداخلية.. والخارجية أيضا. وهم ينظرون لأوروبا كمجال نشاطهم الرئيسي.
في كل الحالات تبقى المسألة الأكثر دقّة وتعقيدا أمام الخضر في المرحلة المقبلة، هي تحديد مشروعهم السياسي «المستقل»، وخاصة تحديد نمط علاقتهم مع الحزب الاشتراكي، باعتبار أنهم يحملون قيم اليسار.
ومسألة العلاقة بين «الخضر» والحزب الاشتراكي مطروحة بقوّة أيضا على هذا الأخير، الذي خرج بالتأكيد أكبر المنتصرين في انتخابات الأحد الماضي، حيث حقق إحدى أعلى النسب الانتخابية في تاريخه. إنه يمثّل اليوم القوة السياسية الفرنسية الأولى، وهو يتطلّع بالتأكيد إلى الاستحقاق الانتخابي الرئاسي عام 2012.
وعليه منذ الآن حتى ذلك التاريخ، أن يجد «الزعيم» الذي يفتقر إليه معسكر اليسار منذ هزيمة ليونيل جوسبان في الانتخابات الرئاسية لعام 2002. وعليه أيضا أن يضع مشروعا سياسيا كحزب «إصلاحي»، أو كحزب «اشتراكي ـ ليبرالي»، أو كحزب «راديكالي».
هذه التيارات كلّها لها من يدعو إليها، وتتصارع داخل الحزب باسم «اشتراكية القرن الحادي والعشرين». وعلى الحزب الاشتراكي أن يصوغ تحالفاته لتحقيق «البيت المشترك لليسار» الذي تحلم به أمينته الأولى مارتين أوبري.
يبقى أن انتخابات الأحد الماضي قد شكّلت إنذارا حقيقيا، للرئيس ساركوزي ولحزبه الذي عرف أسوأ نتيجة لليمين الجمهوري، منذ تأسيس الجمهورية الخامسة من قبل الجنرال ديغول عام 1958.
أمّا الرسالة الأكثر بلاغة، فهي التي وجهها الفرنسيون لطبقتهم السياسية، حيث بلغت نسبة الذين لم يتوجهوا منهم إلى صناديق الاقتراع 6, 53% من الناخبين. وهذا رقم قياسي آخر.
لقد كانت انتخابات إقليمية ذات طابع محلّي، لكنها ترسم ملامح «تعديل» حقيقي على الخارطة السياسية الفرنسية.
كاتب سوري ـ باريس