إن الإصرار الإسرائيلي على المضي في استفزاز ما يزيد على مليار مسلم من خلال العبث والاستهتار غير القانوني وغير الأخلاقي في مدينة القدس المحتلة وتحديدًا في محيط البلدة القديمة والحرم القدسي الشريف، بلغ حدًّا لا يمكن السكوت عليه، بل يستدعي أن تتداعى الأمة بقضها وقضيضها وبكل الوسائل المتاحة لصد الهجمة الصهيونية الشرسة التي لا تمس الآثار العربية والإسلامية فحسب، وإنما تمس بشكل مباشر الدين الذي ارتضاه الله لهم كخاتم للديانات السماوية الأخرى، ومن الخطورة بمكان الركون إلى الصمت عن فعل أي شيء، أو إبداء أي تحرك من شأنه أن يوقف هذا التدنيس والنيل غير المسبوق من مقدساتنا الإسلامية، وترك الحبل على الغارب للإسرائيليين الصهاينة بحكومتهم اليمينية وقياداتهم المتطرفة لتشويه التراث العربي والإسلامي، وتغيير معالم المدينة المقدسة، والحفر تحت أساسات المسجد الأقصى الشريف مهددة إياه بالانهيار تحت مزاعم وأوهام كاذبة.

كما يحلو لهم أن يروجوا زعمهم وكذبتهم الكبرى وهي البحث عن ما يسمى الهيكل المزعوم وإعادة بنائه. وهي محاولة إسرائيلية غير خافية على كل ذي بصيرة بأن الهدف من ترويج هذه الخرافات والخزعبلات هو إنهاء كل ما يمت إلى العرب والمسلمين بصلة، سيرًا وفق مخطط مرسوم يهدف في نهاية الأمر إلى تهيئة الأرضية الكاملة والمناسبة للإعلان عن ما يسمى "الدولة اليهودية"، حيث سيكون حينها الإعلان عنها من جانب الإسرائيليين أمرًا سهلًا، والعمل على جر العرب والمسلمين إلى الاعتراف بهذه الدويلة، مستخدمة كل طاقاتها ونفوذها لدى حلفائها الذين يتلقون الإهانات والصفعات من قبلها اليوم، كما استطاعت من قبل وعن طريقهم (أي حلفائها) جر العرب إلى الاعتراف بدولة تسمى "إسرائيل". والمؤكد أن الذي سوف يترتب على ذلك ضياع الحق العربي والإسلامي وكذلك ابتلاع الأرض الفلسطينية بكاملها.

ولهذه المخططات والاعتداءات غير المسبوقة فإنه يقع على عاتق القمة العربية المقبلة المقرر عقدها في السابع والعشرين والثامن والعشرين من مارس الجاري في ليبيا مسؤولية الذود عن حياض المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، وتوفير كافة الوسائل المتاحة والتي لم تنهض العزائم العربية بعد لتفعيلها، فهناك من الوسائل والآليات بيد العرب ما يمكن من خلالها عمل المستحيل، ووقف الجنون الإسرائيلي أو بالأحرى الهمجية الإسرائيلية، والنزق والاستخفاف اللذين يبديهما المسؤولون الإسرائيليون حيال قضايانا المصيرية، فلا يعقل أن يظل زمام هذه القضايا في يد حلفاء الكيان الإسرائيلي الغاصب إلى الأبد، بل لا بد من وضع حد يحفظ الكرامة ويعيد الهيبة لنا، وأن نمكن لأنفسنا في الأرض عبر ما أُعطينا إياه من أوراق ضغط فاعلة ومؤذية إذا فعَّلناها، وقد رأينا كيف سار ويسير سيناريو الإهانة الإسرائيلية للحليف الأكبر والحامي والداعم الأعظم؛

الولايات المتحدة التي تلقت إدارتها أكبر صفعة إسرائيلية على مر تاريخها، والأدهى والأمر أن يأتي المهان ليعلن عن علاقة استراتيجية لا تقبل الفكاك واعتبار أمن الكيان المحتل أمرًا لا يقبل المساومة، فهو كالماء والغذاء والهواء والدواء، وهذا التقبل من قبل الجانب الأميركي المهان كان هدفه قطع الطريق على العرب حتى لا يكون منفذًا ينفذون من خلاله، بمعنى آخر أن الولايات المتحدة غير مستعدة لأن تقدم حلولًا أو سلامًا للعرب والفلسطينيين، وعلى حساب أطماع وليس مصالح صديقها الأوحد في المنطقة، إلا إذا وجدت ما يجبرها على ذلك، وأيضًا لو كانت قادرة على ذلك لتمكنت من الرد على الإهانة الإسرائيلية، وهذا ما يجب أن يعمل عليه المؤتمرون العرب في قمتهم القادمة وتفعيل قراراتهم المتعلقة بالقضية الفلسطينية، حتى لا نصبح وقد صفيت القضية بالكامل وطمست مقدساتنا، فالقدس تظل لها مكانتها الكبيرة الإسلامية والسياسية في أنفس أبناء العالمين العربي والإسلامي والقدس هي قلب فلسطين النابض.