«عزيزي محمد.. تحية ومودة إليك، فقد سعدت كل السعادة بالرسالة الرقيقة التي تلقيتها منك بمناسبة العام الجديد، وأحسست بالاعتزاز لما تجلى فيها من مشاعر الوفاء الذي أصبح ـ للأسف ـ شيئاً نادراً في هذه الأيام الغبراء».

هكذا بدأ الأستاذ يرد على تلميذه برسالة مؤرخة بتاريخ 24/2/1979، أي قبل ثلاثة عقود ونيف. أما الأستاذ فهو الدكتور فؤاد زكريا الذي فجعنا بوفاته قبل أيام، وأما المرسل إليه فهو كاتب هذه السطور، وهو أحد طلبته أيام بعثته للدراسات العليا في الولايات المتحدة الأميركية.

ولا يجد الدكتور فؤاد زكريا، وهو في مقام لا يقارن مع تلميذه، غضاضة في أن يعتذر عن التأخير في الرد، ذلك أن الرسالة التي تلقاها كانت بمناسبة رأس السنة للعام الجديد (1979)، وها هو بأسلوبه الفكه المحبب إلى النفوس.

يكتب موضحاً: «أما سبب تأخري في الرد فهو أن مكتب بريد بورتلاند، سامحه الله، أبى إلا أن يسدد الختم على عنوانك الذي كتبته في أعلى المظروف، وقد بذلت عدة محاولات لمعرفة العنوان من أشخاص في الجامعة ولكني فشلت.

وهكذا قررت أخيراً أن أغامر بكتابة العنوان كما يبدو لي من وراء «شخبطة» الختم، وآمل أن يصل إليك».

وتتطرق الرسالة إلى أوضاع الكويت وقسم الفلسفة الذي كان يترأسه، وأحداث الثورة الإيرانية المشتعلة في تلك الأيام وموقفه منها، ثم يتممها بكلام «أبوي» وبروح الأستاذ الحنون الحدب على تلامذته: «أسعدني أن أسمع عن تقدمك في الدراسة، وأرجو أن توافيني بأخبارك أولاً بأول، ولا تنسَ إهداء تحياتي إلى «ولدنا العزيز محمد رزوقي»، وإلى اللقاء. فؤاد زكريا.

ولم يكن مستغرباً أن يخص زميلي المرحوم محمد رزوقي (الذي اختطفته يد المنون منا مبكراً) بالتحية والسؤال، ذلك أن صداقة قد انعقدت بينا وبين أستاذنا الدكتور فؤاد زكريا رحمه الله، من أول يوم عرفناه.

فها هو يدخل علينا قاعة المحاضرة في جامعة الكويت (كلية كيفان) في أول أيام العام الدراسي 1974-1975، رجل أبيض، متوسط القامة، ممتلئ يضع على عينيه نظارة طبية كبيرة مميزة.

ويبدأ كلامه بصوت هادئ، مسموع من الجميع، لصغر حجم القاعة وقلة عددنا، نحن شعبة الفلسفة والاجتماع. وما أن تكلم حتى أخذت كلماته ألبابنا وعقولنا، لعمقها وبساطتها وقوة الحجة العقلية التي كان يتخذها سلاحاً بتاراً في شروحه وحواراته ومجادلاته.

ومن تلك المحاضرة الأولى أصبحنا تلاميذ مخلصين للدكتور فؤاد زكريا، فكثرت زياراتنا لمكتبه، وطالت مناقشاتنا ومحاوراتنا معه، ثم تطورت إلى الذهاب إلى مسكنه، الواقع على شاطئ الخليج العربي في السالمية.

وكان الدكتور فؤاد يعشق البحر، ولم يسكن في السكن المخصص للأساتذة في منطقة الشويخ، على جمال المنطقة وهدوئها ومساكنها الأنيقة، بل كان يجاور البحر، كملهم له في أعماله، التي تشعبت آنئذ بين أبحاثه، وترجماته، ومساهماته في الصحافة الكويتية.

وكانت للدكتور فؤاد بصمات واضحة في الحياة الثقافية في الكويت، أو ربما كانت له بصمات واضحة على الفكر العربي انطلاقاً من الكويت، ذلك أنه كان من حسن الصدف أن يلتقي رجلان يحملان مشروعاً تنويرياً عريضا.

أحدهما مفكر يملك سلطة الفكر لوحدها وهو الدكتور فؤاد زكريا، وآخر شاعر وشخص مستنير وإلى جانب ذلك يملك «القرار» كموظف كبير في الدولة، وهو المرحوم أحمد مشاري العدواني.

هكذا تأسس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ليترأسه العدواني، في العام 1977، وهكذا أطلق سلسلة «عالم المعرفة» ليترأسها الدكتور فؤاد زكريا، فيبلي فيها بلاء حسناً.

فقد كان الدكتور رحمه الله أميناً في حمل تلك الرسالة، فكان لا يجيز أي ترجمة لا تستوفي شروط الترجمة الصحيحة، ولو كان مقدمها أعز الناس إليه ـ كصاحب هذه الأسطر ـ وكان يحاول تنويع تلك السلسلة لتشمل جميع الموضوعات دون تحيز إلى تخصصه.

وفيها نشر ترجمة رائعة لكتاب الفيلسوف برتراند راسل «حكمة الغرب» في جزأين، وقام بمراجعة لترجمات العديد من الكتب، ربما أشهرها كتاب «اختلاق إسرائيل القديمة» الذي ترجمته د. سحر الهنيدي، إحدى تلميذاته، والذي نفد سريعاً من السوق.

كانت للدكتور فؤاد زكريا قدرة هائلة على الترجمة، وقد ذكر لي شخصياً أنه ما أن يرى الصفحة التي يريد ترجمتها حتى تنطبع الترجمة العربية في ذهنه، بشيء شبيه بالترجمة الفورية لكن المتقنة.

وهو في ذلك كما قال لي يشبه رفاعة رافع الطهطاوي، الذي كانت لديه ملكة قوية في الترجمة، فترجم العديد من الكتب الفرنسية إلى العربية في أوائل عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر.

لم يجاملني الدكتور فؤاد زكريا، على مودته لي، حينما قدمت له ترجمتي لكتاب النظرية الاجتماعية، بل أعطاها لمترجم حصيف ليراجعها هو الدكتور محمد عصفور، فأخرجها العصفور بحلة قشيبة.

وقد ذكر لي من أثق به أنه لم يساعد إحدى قريباته وكانت طالبة في كليته في عين شمس، بل تركها تلقى مصيرها بنفسها معتمدة على قدراتها الذاتية، فالدكتور فؤاد زكريا ـ كما عهدته ـ كان يبغض الواسطة، ويمقتها أشد المقت.

رحم الله أستاذنا الفاضل فؤاد زكريا، الإنسان والمفكر.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com