يستدعي رحيل الفيلسوف المصري فؤاد زكريا التساؤل مرة أخرى: لماذا تخلفنا؟ ولماذا لم تنتشر الآراء المتعلقة بالحرية والعدالة في عالمنا العربي؟
ولماذا لم تتجذر أسس التفكير العلمي في البنيات العربية على عكس الأطر التقليدية الراكدة؟ خير تأبين لفؤاد زكريا، هو استدعاء أفكاره من خلال واحد من أهم كتبه على الإطلاق: التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1978.
في بحثه عن التفكير العلمي، المكتوب بلغة صافية، بسيطة وعميقة، يسعى زكريا إلى البحث في التفكير العلمي، أو العقلية العلمية بمعناها الواسع الذي يفرض أطراً مجتمعية عامة وشاملة، لا تقتصر فقط على المعرفة المتخصصة التي يتقنها العلماء، لكنها تنسحب على البشر العاديين.
يحاول زكريا أن ينقل التفكير العلمي من إطاره الضيق المتخصص، إلى إطاره الأوسع المجتمعي. فمن خلال ذلك يمكن خلق بنية مجتمعية لا تقبل بالأيديولوجيات الراكدة، ولا تتأسس علاقاتها على المواجهات والصراعات العنيفة.
«فليس التفكير العلمي هو حشد المعلومات العلمية أو معرفة طرائق البحث في ميدان معين من ميادين العلم، وإنما هو طريقة في النظر إلى الأمور تعتمد أساساً على العقل والبرهان المقنع بالتجربة أو بالدليل.
وهى طريقة يمكن أن تتوافر لدى شخص لم يكتسب تدريباً خاصاً في أي فرع بعينه من فروع العلم، كما يمكن أن يفتقر إليها أشخاص توافر لهم من المعارف العلمية حظ كبير، واعترف بهم ا؟؟؟تمع بشهاداته الرسمية» على حد قول زكريا.
كما أن المعرفة العلمية يجب ألا تستند لتوجهات أيديولوجية جامدة، وانتماءات راكدة. فإذا كنا نتغنى بالتراث العلمي الإسلامي الذي سبقنا به الغرب، فكيف لنا الآن وعبر ممارساتنا نقاوم العلم أشد مقاومة؟ على حد تعبير زكريا.
علينا أن نضع في الاعتبار السياق الزمني الذي كتب فيه زكريا كتابه، حيث ارتفاع وتيرة التيارات الدينية والخطاب الإسلامي. من هنا فإن كتاب زكريا يعتبر بشارة مبكرة بمآل الواقع العربي، والشواهد حولنا تعد ولا تحصى عن حجم الانهيار والتخلف الذي أصابنا.
فقد دخلنا منذ السبعينات وحتى الآن، ضمن أتون التيارات المحافظة الجامدة وصال بعض «مشايخ» العصر يفسرون كل ما يحلو لهم، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا.
إن التفكير العلمي عند زكريا يرتبط بسلوكيات البشر العاديين، فلا أهمية لمعرفة تتخندق ضمن نخب ضيقة ومحدودة، ولا ينتقل صداها لجماهير جديدة أوسع نطاقاً. وعلى حد قوله، فإنه «لا يملك أي شعب يريد أن يجد له مكاناً على خريطة العالم المعاصر، إلا أن يحترم أسلوب التفكير العلمي وأن يأخذ به».
ولعل ذلك يفسر خيبات العلماء والمفكرين المتواصلة في عالمنا العربي، وعدم تواصلهم مع الجماهير، وتراجع التأثير الذي يحدثونه. وعلى النقيض من ذلك، فإن الجماهير العربية تسعى في كل مكان وراء بعض الدعاة، الذين يعتبرون أنفسهم من رجال الدين، بغض النظر عما يقولونه، ومدى أهميته، بل وحتى مدى معقوليته.
فتراجع العلماء والمفكرين الآن، هو المعادل الموضوعي لصعود نجم الإعلام الديني الجديد.
ولكن يبقي السؤال الأهم، بعيداً عن الصراعات المختلفة بين نخبوية التفكير العلمي وشيوعه واتساعه: ما هي السمات الرئيسية التي تتسم بها المعرفة العلمية، وفقاً لزكريا؟
أول السمات التي يحددها زكريا هي التراكمية؛ فبدون تراكم معرفي علمي حقيقي، لا يمكن الحديث عن بنية مجتمعية تتسم بعلمية التفكير. والتراكمية لا تعني هنا إضافة بناء لبناء آخر، بقدر ما تعني في الأساس عملية إحلال لما سبق، والبدء في تصورات وأطر جديدة.
وهي مسألة على قدر كبير من الأهمية بالنسبة لعالمنا العربي، المتخندق ضمن أفكار وتصورات ماضوية لا يحاول التملص والفكاك منها.
كما أن المعرفة العلمية تتسم بالتنظيم، فإذا كان هناك جزء كبير من سلوكياتنا اليومية يتسم بالتلقائية والعفوية، فإن المعرفة العلمية تتسم بالتخطيط والتنظيم الواعي القائم على إرادتنا الشخصية.
ولا يكون النشاط العقلي للإنسان علماً، إلا إذا ارتبط بالتعرف على الأسباب، وهي مسألة تهدف لتحقيق الرضا النظري من جانب، والوصول لتأثير عملي ذي منفعة ما. كما أن المعرفة العلمية معرفة شاملة تسري على جميع الظواهر التي يبحثها العلم، دون أن تقتصر على واحدة منها دون الأخرى.
وأخيراً، فإنها معرفة قائمة على الدقة والتجويد، فلا يمكن أن نقبل بما نصل إليه من أول وهلة، لكننا نثابر ونواصل التحقق بغية التيقن مما نحاول أن نعرضه على الآخرين.
هذه هي ملامح التفكير العلمي التي رصدها زكريا منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، محاولاً من خلالها أن يؤسس لبناء معرفي عربي بسيط ومحتمل نخبوياً ومجتمعياً، وهو بناء لم يتحقق حتى الآن، ولم تكتمل الحدود الدنيا من أركانه التي قبلت بها المجتمعات المختلفة حول العالم وسبقتنا من خلالها.
ويذكر زكريا عقبات عديدة تقف في طريق التفكير العلمي، مثل: الأسطورة، والخرافة، والخضوع للسلطة، والإيمان بالموروث، وإنكار قدرة العقل، والتعصب، والإعلام المضلل.
ومن أسف أن كل هذه العقبات وغيرها الكثير، ما زالت جاثمة على العالم العربي؛ فالخرافات تتسع يوماً بعد يوم، والخضوع للسلطات السياسية والاجتماعية يتنوع ويزدهر، كما أن الحديث عن العقل والإيمان بسلطته أصبح من المحرمات، أما الإعلام العربي فهو إما إعلام راقص ومهلل، أو إعلام محافظ ومتخلف!
لا أعتقد أن المرء يرحل عن عالمنا العربي وهو سعيد! ومهما قال البعض عن شجاعة الراحل فؤاد زكريا وإصراره وعزيمته، فلا يمكن إنكار حجم الألم الذي عايشه الرجل وهو يشاهد الغياب المتواصل لأبجديات التفكير العلمي في الواقع المحيط به، ناهيك عن الغوغائية التي طالته في مناسبات عديدة.
كاتب مصري
