أتساءل أحياناً بيني وبين نفسي: كيف يمكن للماراثون السياسي السوداني القائم أن يحقق منجزات ملموسة في ظل الأزمنة المضغوطة حد الاحتياط؟ وهل يمكن للسودان أن يصل إلى بر الأمان حتى يوم الانتخابات العامة والرئاسية في الثالث عشر من شهر ابريل المقبل؟
خلال الأسابيع والأيام الماضية، وتحديداً في 24 فبراير المنصرم، جرت محادثات ماراثونية بين الحكومة السودانية و«حركة العدل والمساواة» في دارفور، وكانت الدوحة حاضنة صبورة لهذه المحادثات التي توجت بتوقيع اتفاق بين الطرفين، في حضور أمير قطر والرئيس السوداني، والشاهدين رئيسي أريتريا وتشاد.
وبمظاهر فلكلورية ومهرجانية، ما يذكرنا بالمصالحات الصومالية المكرورة في كينيا وأديس أبابا وجيبوتي، والتي نالت تتويجا بروتوكوليا من رؤساء الأقاليم المجاورة، ولكن دون طحين مفيد يتناسب مع الجعجعة الصاخبة لتلك المصالحات.
في الدوحة أصرت حركة العدل والمساواة الدارفورية على تمثيل كل الدارفوريين، وكان لها ما أرادت وكأنها تملك الحق الناجز في ذلك، معتمدة على أرتال مليشياتها وامتشاقها للسلاح.
والحقيقة أن هذه الحركة تمثل بامتياز واحدة من القبائل هي قبيلة «الزغاوة» الإفريقية، وتستبعد إجرائياً بقية القبائل العربية والإفريقية، متدثرة برداء التمثيل الشامل لمصالح شعب دارفور.
تكمن المشكلة العصيّة هنا، في قبول الخرطوم باعتبار العدل والمساواة ممثلا شاملا لدارفور، الأمر الذي ينطوي على تهميش بقية الفصائل السياسية ذات الطابع القبائلي المؤكد في إطار ثنائية العرب والأفارقة في المنطقة.
وبهذا المعنى تعيد «الاتفاقية الإطارية» في الدوحة، إنتاج اتفاقية نيفاشا التي اعتلت بقبائل «الدينكا» الجنوبية على حساب بقية القبائل.
قد يسأل سائل: وهل الجيش الشعبي لتحرير السودان وحركة العدل والمساواة تنظيمات قبلية صرفة؟ وأتساءل بدوري: وهل هناك تنظيمات سياسية في طول وعرض العالم العربي تخلو من القبائلية والعرقية والطائفية؟
والجواب أن هذه التنظيمات السياسية تحمل في تضاعيف ما تفعل، قوة القبيلة التاريخية، ومكانتها الخاصة في بيئة السودان جنوبا وشرقا وغربا وشمالا، ولهذا السبب يعيدنا مربع الدوحة الأخير إلى نيفاشا التي اعتلت بمقام النفوذ القبلي الأكثر حضوراً في «الجيش الشعبي».
وأفضت إلى كونفدرالية غير معلنة، ومصممة على مقاسات «التحرر» الكامل من ربقة الخرطوم ومركزية نظامها، كما يرى بعض الجنوبيين ضيقي الأُفق.
في دارفور تحلم حركة العدل والمساواة بنسخة أُخرى من نيفاشا المُخاتلة، وذلك عن طريق الانفراد بتمثيل الإقليم، واعتبار ما سمي بالاتفاقية الإطارية مدخلا لمحادثات كانت مقررة في 15 مارس الجاري! وعلى أن تخرج المحادثات اللاحقة باتفاقية ناجزة للسلام في دارفور!..
الأدهى والأمر من ذلك، أن السودان بصدد الذهاب إلى الانتخابات العامة والرئاسية في 13 ابريل المقبل! ولنا أن نتخيّل الماراثون الغرائبي لتسوية سلسلة من الملفات الثقيلة، خلال الفترة ما بين 24 فبراير وحتى 13 ابريل من العام الحالي 2010! هكذا يتم اختطاف السودان من ذاكرته وحكمته وحقائقه الموضوعية، وعلى حين غفلة من التاريخ والجغرافيا.
تكمن مشكلة اتفاقيتي نيفاشا والدوحة، في كونهما كرّستا مفهوماً مجزوءاً للتسوية، فقد سمحت نيفاشا بتسوية مُنصفة للجنوبيين الممثلين في قبيلة واحدة، فيما سمحت الاتفاقية الإطارية في الدوحة بتسوية منصفة للدارفوريين الممثلين في قبيلة واحدة أيضاً.
لكن هاتين التسويتين المُنصفتين لجماعتين قبليتين مدججتين بالسلاح والخطاب، استبعدت إجرائياً بقية المكونات القبلية والاجتماعية، ليس للإقليمين فقط (دارفور والجنوب)، بل أيضاً لعموم السودان الكبير.
فإذا كان الإقليمان المجيران على نيفاشا والدوحة سينعمان بالخروج من شرنقة المركز ونواميسه العاتية، فإن بقية أقاليم السودان ستظل قابعة تحت قبضة المركز وآلياته.
ومن سخريات القدر أن الجيش الشعبي وحركة العدل والمساواة، لن ينعما بالاستقرار والانفراد بالجنوب والغرب كما يتوهمون، وذلك لسبب بسيط يتلخّص في كونهما سيتموضعان في نفس مربع التهميش والإقصاء لبقية مكونات الجنوب ودارفور، وكأنهما يعيدان إنتاج متاهة المركز وإخفاقاته.
هذا ما أراه بعين اليقين في السودان القادم، إن لم تمتشق القيادة الحاكمة في الخرطوم طريق المجد والحقيقة، وتذهب مباشرة إلى دولة فيدرالية سوادنية علمانية ناجزة دون لف أو دوران.
ما يحصل الآن يتلخّص في استنساخ الأدنى واستبداله بما هو أعلى، فالجنوب والغرب القادمان سيتمرغان في ذات الأوحال المُهلكة، لأنهما استطردا على متاهة المركز وأبقيا على ذات المنطق، حتى وهما لا يزالان في طور الحبو الجينيني.
كاتب وباحث يمني