كم هي الحياة جميلة، إلا أن بعض أخبارها مؤلم، إنها فلسفة الحياة والموت في الوقت نفسه. لا أدري لماذا أحسست بغيوم سوداء في الكون في ذلك اليوم، ولم أكن أدرك أن آخر فلاسفة العرب في حالة ورحلة الغياب.
أعرفه على مدى أربعة عقود من الزمن، ذلك الذي نقل المعرفة والفلسفة إلى العرب، في الوقت الذي لم يهتم بها الأغلبية.
أستاذي فؤاد زكريا، ذلك الإنسان الرائع، والبسيط في علاقاته مع طلابه. كنا في ربيع العمر، وكان في عمر الازدهار والعطاء بلا حدود، وكأنه كان في سباق مع الزمن، لإنجاز عمل سيترك بصماته طويلاً في وطننا العربي.
ملتقى في قسم الاجتماع والفلسفة في جامعة الكويت في سبعينات القرن الماضي، لم نكن ندرك حين ذاك أننا طلاب في مدرسة العمالقة فؤاد، وأبي الوجودية العربية، ذلك الذي نقل المعرفة من فرنسا التنوير إلى العالم العربي المتطلع إلى التغيير، وذلك الفيلسوف العظيم الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بدوي، وآخرين من العمالقة، سواء في علم الاجتماع أو الفلسفة.
ومن الإنصاف أن نتذكر أننا جيل من المحظوظين ممن استطاع أن يتعلم على أيدي أولئك العمالقة من المفكرين، ولم نكن ندرك أهمية ذلك كله في ذلك الوقت.
كانت جامعة الكويت في تلك الفترة تستقبل عمالقة الفكر العربي، الذين حملوا فكراً تنويرياً يؤسس لأمة تبني على العقل والعمل، ويكملون المسيرة التي بدأها عبدالرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، في إنجاز مشروع فكري كبير، يكمل الثاني مسيرة ما بدأه الأول وينميها ويطورها.
ولقد استطاع هؤلاء المفكرون أن يخلقوا حولهم جيلاً كاملاً يحكم العقل ويتطلع إلى المستقبل بفكر جديد، يبتعد عن ظلامية عصر الانحطاط، حيث انهارت الأمة بتسليم أمورها لأدعياء الفكر والسياسة، ودفعت أمتنا ثمناً باهظاً دفعنا إلى التخلف.
بعد أن كنا في موقع الريادة في الحضارة العالمية، عندما أسس الأمويون دولة لها جميع مقومات الحضارة، من إعداد جيش قوي، وصك عملة، وبناء مؤسسات، وتسيير بريد، وأفسحوا المجال للعقل.
وعندما فتح العباسيون المجال أمام تعريب الفكر البيزنطي في جميع العلوم، لينهل المفكرون العرب من تلك الينابيع، ويستوعبوا هذا الفكر الوافد ويطوروه ويضيفوا عليه من إبداعهم، حيث برز من العرب والمسلمين علماء في مثل قامة ابن رشد، وابن الهيثم، وابن سينا، والخوارزمي وغيرهم من المبدعين.
ولكن هذا المشروع انتكس بعودة كهنة القرون الماضية من تنظيمات المتسيسين باسم الدين، ممن كانوا يختبؤون تحت رماد النار، أولئك الذين أرجعوا الأمة إلى عهود الظلام، وللأسف تحت راية الإسلام العظيم.
إلا أن تقدم الأمة وتطورها هو في الأساس يعني انتهاء مشروع أستاذهم وبنائهم، فقد كان ذاك التيار جزءاً من الأجندة العالمية والصهيونية، وهذا ما يؤكده تدخل المخابرات العالمية في عشرينات القرن الماضي.
حينما تبنتهم بهدف ضرب أي تقدم، أو حركة تحرر في الوطن العربي. ولعل العودة إلى ملفات العديد من المخابرات وخاصة الإنجليزية يؤكد ذلك، وهم اليوم لا يبتعدون عن هذا المشروع التدميري، حيث يدمرون كل ما أنجزته الحضارة المعاصرة في وطننا ويزرعون الدمار والخراب والإرهاب في ديارنا.
إن الأمة العربية والإسلامية، تمتلك أسس الحل للكثير من المشكلات العالمية في الوقت الراهن، وقد كان الكثير من المفكرين والفلاسفة في العالم العربي، يرون أن الخليج هو المنقذ، وربما هو البؤرة التي قد تخلق عالماً جديداً، لكن تلك القوى الظلامية كانت تخطط لإجهاض ذلك المشروع.
وكانت المعركة الأولى في تلك المرحلة جامعة الكويت، حينما برزت القوى المعادية للتعليم والتنوير لتقف في وجه منطق العصر ومتطلبات التطور، كما تفعل بعض تلك القوى اليوم.
حيث تعود من جديد لتقف ضد مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من أجل النهوض والتقدم في المملكة، ومن أجل حياة جديدة لهذه المنطقة، ولعله يريد أن يكمل إنجاز مؤسسة الدولة التي وضع أركانها المغفور له عبدالعزيز آل سعود، الذي وحد الدولة وأرسى قواعدها.
وحارب الكانتونات التي كان ينفرد بها أمير هنا أو آخر هناك، وأوجد دولة كبيرة تشغل مساحتها أكثر من مليوني كيلو متر مربع، وتتحكم في مصادر الثروة المعاصرة، وتحمي أهم مراكز العبادة في العالم.
إن دولة مثل السعودية تحتاج إلى حاكم مثل عبدالله بن عبدالعزيز، يضع هذه الإمكانات كلها لإنجاز مشروع حضاري كبير يعتمد العلم طريقاً، ويؤمن أن عقارب الزمن لن تعود إلى الوراء، وأن دعاة العتمة والظلام لن يتمكنوا من إجهاض هذا المشروع الذي يقوده رجل إنسان، يدرك ما يفعل ويحبه كل من حوله وكل من يلتقيه.
فإلى متى لا تدرك تلك القوى الماضوية أن مشروعها محكوم بالفشل، لأنه ضد الإنسان وضد الأوطان؟ وإلى متى يجهلون أو يتجاهلون أن العصر قد تجاوزهم؟!
إن ما أنجز وينجز في الخليج؛ في الإمارات، والسعودية، والكويت، وقطر، والبحرين، وسلطنة عُمان، أكبر بكثير من أن تستطيع تلك القوى «المتأسلمة» إيقافه أو هدمه، فلماذا لا ينضم هؤلاء إلى ركب التقدم ويكونوا مشاركين في بناء نهضة كبيرة؟
لماذا لا يتعلمون أن الإسلام ليس ضد التقدم، وأن هناك حزباً اسمه حزب العدالة والتنمية في تركيا، يعرف قادته تماماً كيف يصنعون بالإسلام دولة عصرية وقوية؟!
رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»