عبر الروائي السعودي عبده خال، عن حالة العزلة التي عاشها وهو يتسلم واحدة من أهم الجوائز الأدبية العالمية، البوكر، قبل أيام في أبو ظبي، بمقالة مؤثرة في زاويته بصحيفة «عكاظ»، كان عنوانها «وحدة في الضجيج».

يقول: «هذه العزلة شعرت معها بعزوف بلدي عن أن يكون له فائز في جائزة أدبية عالمية.. وتحقق ذلك أثناء الإعلان عن الجائزة، فلم يكن في تلك الصالة التي ضجت بالحضور من كل دول العالم أي مواطن سعودي سواي...»!

وفي ستوديو «حديث الخليج»، قرأت عليه هذا المقطع المحزن من مقالته في محاولة لاستفزاز حنقه وغبنه، وهو يُهمل في الداخل ويكرم في الخارج، فإذا به يرد على استفزازي بتسامح الفنان وعمق الفيلسوف: كل إنسان وحظه!

لكنني ما زلت ألح في السؤال: ما ذا لو كان الفائز بهذه الجائزة المرموقة اسماً سعودياً آخر، من ذوي العلاقات وأعضاء الشلليات الإعلامية، كيف سيكون التعامل مع صاحب الجائزة وكيف سيكون التقدير والتكريم والترحيب؟

الأكيد أن مثل هذه الأسئلة لا تعني عبده خال، فهو يكتب لأن الكتابة كانت قدره وهوسه منذ السنة الأولى في الجامعة كما روى لي. إنها مبرر قدرته على البقاء، على الرغم من قسوة الحياة وتكالب المرض والفقر عليه!

إن الكتابة عنده هم إنساني وألق فني، فهو لا يكتب من أجل الجائزة وإن كانت الجائزة تشعره بتقدير لعمله، وتفتح له آفاقا أوسع للتواصل مع مساحة أضخم من قراء الرواية بالعربية وغيرها من اللغات.

وفي حضوره الجميل خلال فعاليات مهرجان طيران الإمارات للآداب هنا في دبي، قبل أيام، كان عبده خال، بتواضعه ورؤاه الفلسفية المبهرة، أحد نجوم الفعالية من الوطن العربي، إذ شكل هو وبهاء طاهر ويوسف زيدان، ثلاثياً عربياً صنع للرواية العربية اليوم وهجاً جديداً وحضوراً مهماً.

في طريقنا إلى الاستوديو لتسجيل حوار تلفزيوني معه، رأيته يحقن نفسه بالإنسولين، وعرفت منه أنه يعيش على هذه الحالة منذ ثماني سنوات، غير علل أخرى في القلب وفي جسده النحيل. من أين لهذا النادر في عصرنا بكل هذه الطاقة التي تنتج مقالاً يومياً وعدداً من الأعمال الروائية العملاقة؟

وكيف لهذا الجسد الناحل المنهك بالمرض، أن يحمل هذا العقل المبهر المتدفق بالحكايات والروايات؟ وكيف ينتصر عبده خال على أمراضه الجسدية ويكتب بهذه الغزارة وهذا الألم؟

في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» عام 2006، يجيب عبد خال عن حكايته مع المرض وزياراته المتكررة للمستشفى هكذا: «مسألة ذهابي المتكرر للمستشفى تعود إلى أني قدمت من قرية، الحياة فيها رخيصة جداً، ففي كل موسم يتحرك مرض أو وباء يختطف من أي بيت فردين أو ثلاثة.

أصبت بأمراض كثيرة وأنا طفل، من ضمنها الملاريا. أبناء القرى يمرون عادة بجحافل من الأمراض التي تخطفهم باكراً. وأول ما نبهني لحقيقة الموت، وأنا صغير في قريتي، تلك الجثث التي رأيت الوادي يجرفها أمام عيني، وتلك الغارقة داخل الآبار، مات أصحابها بسبب وباء انتشر في القرية».

ربما كانت صور الموت تلك التي كان قريباً منها في قريته وطفولته، هي مصدر تلك «السوداوية» في روايات عبده خال، أو لعلها مصدر من مصادر الإلهام الفلسفي الذي تقرأه في سطور روايته الفائزة «ترمي بشرر»، وتلك قصة أتركها للمعنيين بالنقد الأدبي.

ما يهم هنا هو سؤال هذا المقال الرئيس: متى يجد المبدع العربي الحقيقي ما يستحق من تكريم داخل وطنه؟ ومتى سننظر لمثقفينا وكتابنا ومبدعينا على أنهم «ثروة وطنية» حقيقية تستحق الرعاية والاهتمام والتقدير؟ وكم هو مؤسف أن يحلم مبدع مثل عبده خال لو فقط يعطى فرصة التفرغ للكتابة ويرتاح من أعباء وظيفته مدرساً للصف الأول الابتدائي؟!

وإلى متى يكتب على المبدع العربي أن يعيش فقيراً ما بين استغلال الناشر وإهمال الجهات الرسمية المعنية بالثقافة والأدب؟ أتذكر أنني في بداية عملي الصحافي، في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، زرت الكاتب الراحل جبرا إبراهيم جبرا في منزله في بغداد.

أخبرني وقتها أنه كان متفرغا للكتابة براتب شهري تدفعه له إحدى المؤسسات الحكومية، إيماناً بأهمية دعم الكاتب ومساعدته للتفرغ للكتابة والإبداع.

ومن وقتها وأنا أتمنى لو أن في كل بلد عربي مؤسسة حقيقية تساعد الكاتب والفنان والمبدع على التفرغ للأعمال الإبداعية، وتوفر له ما يحتاجه من دخل وتأمين طبي وتسويق لأعماله، وتسهيل تواصله مع الجوائز العالمية في مجاله والترتيب لمشاركاته في المنتديات والفعاليات المهمة.

الروائي عبده خال هو اليوم نموذج حي للمثقف (المبدع) العربي الذي يهمل داخل وطنه، ويكرم ويحتفى به خارجه! وهو أيضاً صورة أخرى لهدرنا المخيف لعقولنا وطاقاتنا ونجومنا، التي إن طال بها إهمالنا فحتماً سنبقى مثل القبيلة التي تذبح وتأكل جيادها!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu