رأى العرب كيف تردّ عليهم حكومة نتنياهو عندما يعرضون السلام عليها، مثلما حدث بعد قرار لجنة متابعة مبادرة السلام العربية الموافقة على إجراء مفاوضات غير مباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل على سبيل المثال لا الحصر.

فما إن أعلنت هذه الموافقة العربية على إجراء المفاوضات غير المباشرة حتى سارعت حكومة نتنياهو إلى تكثيف الهجمات التهويدية والاستيطانية في القدس وحول المسجد الأقصى المبارك وتحته بشكل خاص، وكأنها تقول للعرب: إنكم لا تستحقون أكثر من هذا الرّد. ‏

حكومة نتنياهو مثلها مثل التي سبقتها من الحكومات الإسرائيلية لا تفكر بالسلام إلا من باب تعطيله، ولا تطيق مجرد الحديث حوله إلا من باب المراوغة وهذا معروف ويفترض أن يكون العرب الأكثر دراية به. ‏

لذلك يبدو من غير المفاجئ إطلاقاً أن تتعمّد حكومة نتنياهو استفزاز العرب، والإعلان عن مشروعات استيطانية ضخمة صبيحة الموافقة العربية على إجراء المفاوضات غير المباشرة، ومع وجود نائب الرئيس الأميركي جو بايدين في إسرائيل، فهذه هي مهمة حكومة نتنياهو، وقد انتخبت من المتطرفين الإسرائيليين على هذا الأساس. ‏

إذاً حكومة نتنياهو تنفذ جزءاً من برنامج صهيوني مكلفة بتنفيذه يتعلق بتهويد القدس بشكل خاص، وهي تنفذ هذا البرنامج بدقة، ويخطئ كثيراً من يظن أن السلام يأخذ ولو جزءاً صغيراً من هذا البرنامج. ‏

والأميركيون يعرفون ذلك، لذلك كانت ردة فعلهم على الإهانة التي وجهها نتنياهو لبايدن باهتة على الرغم من محاولة البعض ومنهم إسرائيليون تضخيم ردة الفعل الأميركية. ‏

وبالمناسبة لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الأميركيين يعرفون عن مخططات إسرائيل ونياتها العدوانية والاستيطانية والتهويدية واللاسلمية ما لا يعرفه غيرهم، وينسقون معها على هذا الصعيد، وكل قول لهم مناف لذلك غير صحيح. ‏

لذلك لم تخرج إدارة أوباما حتى الآن في تحركاتها نحو السلام عن الخط الإسرائيلي، وعلى سبيل المثال، فعندما رفضت حكومة نتنياهو المطلب الأميركي بالتجميد الكلي للاستيطان إفساحاً في المجال أمام مفاوضات سلام أذعنت الإدارة الأميركية، وتحركت نحو دعم هذا التوجه الإسرائيلي والدفاع عنه. ‏

المشكلة أن العرب يصرّون على المكابرة وعدم الاعتراف بسقوط رهانات السلام، وخاصة مع حكومة نتنياهو، كما أنهم يوهمون أنفسهم بدور أميركي ضاغط على إسرائيل وصولاً إلى السلام. ‏

العرب يوهمون أنفسهم بذلك على الرغم من معرفتهم أن إسرائيل لن تذهب إلى السلام طوعاً، وأن الإدارة الأميركية لن تضغط عليها، وأنه مادام الوضع العربي من الضعف واللامبالاة وعدم القدرة على التأثير لن يقوم السلام العادل، ولن تقيم إسرائيل والولايات المتحدة أي اعتبار للعرب. ‏